|
التقسيم الدولي للعمل
عرضنا في الأعداد السابقة
من صدى النقابات للأوليات الاقتصادية ولعدد من المفاهيم والنظريات
والسياسات الاقتصادية بشكل شبه اكاديمي , وآن الأوان لنطل إطلالة سريعة على
التقسيم الدولي الحالي للعمل قبل الدخول في عالم بعض التطبيقات الاقتصادية
الحاصلة في العالم اليوم والتي سنرى فيها بوضوح مسؤولياتها عن الظلم الذي
تتسبب به, والذي ينتج الأزمات والجوع لملايين بني البشر, رغم النعم التي
وفرها الباري عز وجل ولا تحصى في هذه الأرض وفي هذا الكون وفي هذا العقل
البشري .
بالممارسة, وبالتشريع القانوني الدولي, وبقوة وضع اليد على الاقتصاد
العالمي, وبتصوير وبتشخيص خبيث للواقع, تفرض الدول الكبرى تقسيما دوليا
للعمل, يقضي بأن يتخصص كل بلد, أو كل منطقة اقتصادية في العالم, بإنتاج
أنواع من السلع أو الخدمات التي هي أكثر كفاءة بإنتاجها , وبأن تتخلى
البلدان الأخرى عن إنتاج السلع والخدمات التي هي أقل كفاءة أو مهارة في
إنتاجها , ويقصدون هنا بالبلد الكفؤ أو الماهر في إنتاج سلعة أو مجموعة سلع
معينة هو القادر على إنتاجها بأحسن نوعية وبأقل كلفة من سواه من البلدان ،
فيوكل إليه عندئذ التخصص في إنتاج هذه السلعة أو المجموعة من السلع ويتخلى
عن إنتاج باقي السلع والخدمات للبلدان التي تتمتع بكفاءة ومهارة في إنتاجها
.
وهكذا , لتلبية كامل حاجاته من السلع والخدمات , يبادل كل بلد إنتاجه
بإنتاج الآخرين في ظل حرية تامة للتبادل الدولي , لا تشوبه أي عوائق جمركية
أو حمائية وما شابه , وفي ظل هذا الاقتصاد الدولي , لا تعد البلدان تتبادل
سوى السلع والخدمات الأحسن نوعية والأدنى كلفة أو أسعارا , علما أن
الاقتصاد العالمي يصبح مقتصرا على هذا النوع من الإنتاج وهذا ما يصب في
مصلحة المستهلكين بالدرجة الأولى.
هذه النظرية الليبرالية الكلاسيكية التي تعود إلى القرن الثامن عشر تدعو
إلى تقسيم العالم إلى مناطق منها ما هو متخصص بالإنتاج الصناعي , وأخرى
بالإنتاج الزراعي , وغيرها في استخراج المواد الأولية , والتطبيق أنتج
تبادل دولي غير متكافئ , فأـسعار السلع الصناعية ترتفع بوتيرة أعلى بكثير
من أسعار المواد الزراعية مما يجعل تدفق الرساميل على البلدان الصناعية
بوتيرة أعلى من البلدان الزراعية , ثم أن دورة الإنتاج في القطاع الصناعي
أسرع بكثير من ما هي عليه في القطاع الزراعي ورغم ذلك فان هذه النظرية هي
التي تحكم الواقع الاقتصادي الدولي لعوامل عديدة :
العامل السياسي : جذور هذه النظرية تكمن في السيطرة الاستعمارية من قبل
البلدان الصناعية على الدول المتخلفة .
العامل التكنولوجي – البشري : الدول الصناعية استفادت من الثورة العلمية
التكنولوجية وحققت نموا في الإنتاج الصناعي , كما أن تدريب وتهيئة الأيدي
العاملة الماهرة , وتطوير الأبحاث العلمية زادت القدرة التنافسية لهذه
الدول , والدول التي أخذت هذا المنحى دخلت في نادي البلدان الصناعية بينما
الدول الأخرى بقيت اقتصادياتها مرتكزة على الزراعة أو تصدير المواد
والمحروقات .
عامل النقل : الدول الصناعية المتطورة تمتلك الوسائل العالمية للنقل , وكل
تكنولوجيا صناعته وتطوره إلى حد الاحتكار برا وبحر ووجوا ويقترن ذلك بتحرير
التجارة الدولية , الأمر الذي يسمح لمنتوجات الدول الصناعية بغزو أسواق
أغلبية دول العالم الثالث وضرب صناعات هذه الدول في المهد .
عامل المؤسسات والمنظمات المالية والتجارية الدولية : ومنها البنك الدولي ,
صندوق النقد الدولي , منظمة التجارة العالمية , وغيرها من مجموعات الضغط
الاقتصادي الدولي التي تضع كل سياساتها وإمكاناتها في خدمة الدول الصناعية
الكبرى وبوحي منها ، وهذا ما سيتم التطرق اليه بشيء من التفصيل في الأعداد
القادمة .
|