|
الف باء النقابات العدد الخامس والعشرون
دور النقابات
العمالية بالتمسك بالحوار الاجتماعي الوطني
لا يخفى أن تحول مفهوم الدولة إلى مفهوم السلطة والرغبة الدائمة بالاستئثار
والتفرد , أثر تأثيرا ملحوظا على الحريات العامة, وغيب الحوار والحراك
الاجتماعي الوطني , الذي تقوده عادة منظمات المجتمع المدني والنقابات في
أكثر من مجال , فقضى نوعا ما على مفهوم النظام التمثيلي الواسع , ومفهوم
المشاركة الفاعلة في إدارة الشؤون العامة للوطن والناس .
ومن خلال مؤشرات من قبيل نسبة الأمية, ونسبة الفقر, وتزايد معدلات البطالة
وتناقص فرص العمل , وهجرة الكفاءات في الداخل ( يهجرون اختصاصهم إلى عمل
آخر ) والى الخارج ، نرى بشكل واقعي ما تبقى من مناخات سليمة مساعدة على
حوار اجتماعي سليم , تسمح بمستويات عالية من المشاركة في إدارة الوطن ,
وبالتالي توسيع مروحة الحوار الاجتماعي, وإشراك مستويات وفئات شعبية أكثر
تحررا من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في صنع القرارات السياسية
والاقتصادية , ونقل الدولة من دولة سلطة إلى دولة تمثيل ومؤسسات وقانون,
تسهر على المساواة بين المواطنين, وتعزز الحريات وتنمي القدرات المادية
والمعنوية .
إن ممارسة الحكم بمفهوم السلطة , وتفشي الجهل والفقر والعوز للحاجات
الأساسية والخوف من المستقبل , والافتقار لآليات الحوار والتواصل, يؤدي إلى
ركود المجتمعات, وإضعاف الحراك الاجتماعي , ونتيجة ذلك هو الإحباط , وظهور
الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية , وتحلل القيم الوطنية وضعف
الارتباط بالوطن .
إذا كنا كنقابيين لا نستطيع في كل ظرف الحؤول دون تفشي الجهل والفقر والعوز
وانعدام فرص العمل , فإننا نستطيع في كل ظرف التمسك بآليات وأدوات الحوار
الاجتماعي بين الحكومة وأصحاب العمل من جهة والعمال من جهة أخرى للحيلولة
بقدر المستطاع بين المؤثر والأثر بين الفقر والإحباط , يجب أن يبقى هناك
أمل للناس في الحراك الاجتماعي حتى لا نصل إلى الركود المولد للضياع
والاضطراب , هذا دور النقابيين ومنظماتهم النقابية , التي يجب الحفاظ عليها
وتقويتها واثبات حضورها الدائم في الميدان وبشتى السبل .
يجرم السلطويون حين يقفلون باب الحوار الاجتماعي بين السلطة وأصحاب العمل
من جهة وبين العمال من جهة أخرى , وأكبر عملية إجرامية قاتلة للوطن حين
يفكر سلطوي بإلغاء إحدى أدوات الحوار الاجتماعي , وهي النقابات والاتحادات
النقابية , أو مجرد تفكيره بالحد من حرياتها , والسعي لتقييد حركتها في
دائرة سلطته أو سياساته .
وإذا أدركنا كنقابيين أن الحوار الاجتماعي ومنه المفاوضة الجماعية بين
أطراف الإنتاج ( الحكومات وأصحاب العمل والعمال ) هو الآن في مشهد سلبي
لافتقاده التكافؤ النسبي في مكانة كل طرف, بالنسبة لحيازة القوة المعنوية
والمادية, وبالنسبة لمستوى العلاقة مع مواقع النفوذ مع ما هو مفترض أن يكون
دولة وليس سلطة , ندرك كم نحن ملزمون بالتمسك بالحوار الاجتماعي أدواتا
وأساليبا وأهدافا .
وإذا أدركنا كنقابيين أن الحوار الاجتماعي في الدولة تعطله المحددات
والقيود السياسية والاقتصادية والتدخلات الخارجية التي تبتغي إعادة تعريف
هوية هذه المنطقة وزعزعة انتمائها القومي والهيمنة عليها , ندرك كم نحن
معنيون بالتمسك بالحوار الاجتماعي في كل مجالاته الوطنية الاقتصادية
والاجتماعية والتنموية والسياسية.
الحوار الاجتماعي أسلوب مشاركة في بناء الوطن, وتعزيز منطقه البنّّـاء
يقتضي تعزيز وجود وحضور منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات
النقابية , والحوار الاجتماعي ليس سلوكا مطلبيا يعالج سطوة الجشع عند أصحاب
السلطة والمال ويقف في وجه التدخلات الخارجية من أجل حماية الوطن والهوية
والانتماء فحسب, وإنما مسار مجتمعي ينشئ وينظـّم أساليب الحياة السياسية
والتنموية والاقتصادية والاجتماعية , وبقدر ما تتوفر له مشاركات واسعة
ومنظمة وأكثر تمثيلا , بقدر ما يحقق أهدافه في بناء وطن متكافل ومتضامن
ومتماسك .
|