|
التصحيح الذي
يريح الفقراء
قالت
الحكومة اللبنانية ومعها فريق من أصحاب العمل للحركة النقابية العمالية
اللبنانية بقرارها الأخير بشأن تعديل الحد الأدنى للأجر وتصحيح الأجور :
ملتقاي معكم في نضالات متجددة, فالظروف السياسية والاقتصادية للبلد لم تسمح
بغير ذلك , وبعيدا عن الترجمات المادية المباشرة لهذا القرار كيف سيترجم هو
ومبرراته في الساحتين الاقتصادية والاجتماعية
القرار الذي اتخذته الحكومة بشأن تصحيح الأجور يمكن أن يصل مداه ( طالما
انه اتخذ بالمبررات والآليات التي اتخذ فيها) الى الحدود البنيوية لقوى
الإنتاج وعلاقاتها , ويمكن أن يعني أننا في لبنان ماضون – إن لم نستدرك –
لنظام اقتصادي لا ضابط اجتماعي له , إلى نظام اقتصادي وحشي ( وليس ليبراليا
) متفلت من كل عقال , ولان مثل هكذا نظام سيكون في لبنان ( بجغرافيته
وديمغرافيته ) لن يكون فيه أي أثر لمزينات الليبرالية الغربية حتى من بعض
شفافية منافسة , أو جدارية حقوق إنسان .
القرار الذي اتخذته الحكومة بشأن تصحيح الأجور طالما انه اتخذ بالمبررات
والآليات التي اتخذ فيها لن يحرر السوق فقط كما يريد جشع المال اللبناني
غير المضبوط حتى بقيم الارتباط بالوطن , بل سيأخذه إلى جشع ما بعد جشع مد
اليد إلى أجر العامل اللبناني وحقه ، سيأخذه الى جشع مد اليد إلى حق الوطن
بالعامل اللبناني ويده , والى جشع مد اليد الى إيمان الوطن ( شعبا ودولة
ومؤسسات ) بحق العامل اللبناني بفرص العمل على أرضه .
ما حال دون عدالة القرار الذي اتخذته الحكومة بشأن تصحيح الأجور هو أخطر من
عدم عدالته ؛ لقد التزم القرار مصلحة أصحاب العمل بما فيهم الدولة كما
قدرها أصحاب العمل والدولة , ولم يراع القرار حتى نصف مصلحة العمال والوطن
كما قدرها العمال وأصحاب العمل والدولة والوطن , الذي حال دون عدالة القرار
الذي اتخذته الحكومة بشأن تصحيح الأجور هو أن الحكومة (والحكومة هنا هي
تيار السياسات الاقتصادية والاجتماعية الغارق بالعولمة ) لم تعد تريد عمالا
( موظفين ) عندها بل متعاقدين في أحسن الحالات وفي القطاعات التي ستنجو من
الخصخصة , وأصحاب العمل (حلفاء او شركاء الشركات العابرة للقارات في عولمة
الغيلان الكبار ) لا يريدون بعد عمالا براتب شهري وضمان وأحكام قانون عمل
يحميهم وإنما يريدون سوق عمل حر مفتوح خاضع لقاعدة العرض والطلب وشراء قوة
العامل لحظة ذروتها ورميها عند تضاؤلها دون وجل وأثر ومرتبات وصيحات
واستنكارات وإضرابات نقابية ,
القرار الذي اتخذته الحكومة بشأن تصحيح الأجور هذا ما حال دون عدالته بشكل
أساس , أما قصة الموازنة بين حق العمال وقدرة أصحاب العمل والخزينة , وقصة
الحرص على تصحيح أجور دون التسبب بتضخم , ففي ذلك نقاش ؛ أولا لغموض
الأرقام الحقيقية لقدرة بعض أصحاب العمل خصوصا منهم الذين تطرفوا برفضهم ,
وبعضهم يشار إليه بالمسؤولية عن مديونية الدولة , وثانيا لخلاف في الآراء
حول السياسات والإجراءات التي يجب على الحكومة والمصرف المركزي إتباعها
لمنع التضخم أو لمواجهته
حسنا , الآن بعد هذا القرار الذي لم يصحح الأجور في لبنان كما ينبغي وجاء
ما جاء فيه ونقص منه ما نقص وهو في محل تقييم ومتابعة من الهيئات النقابية
ليرى الجميع كيف سينفذ والى أين سيعرج به ؛ هناك إجراءات ملحة في عالم
تصحيح القيمة الشرائية لأجور العمال وذوي الدخل المحدود فلماذا لا تقدم
عليها الحكومة والمصرف المركزي حتى بالحدود الممكنة ؛
اقرب هذه الإجراءات هي السياسات النقدية الواجب إتباعها ظرفيا للحد من
التضخم ويعرفها أهل الاختصاص .
أقرب هذه الإجراءات منالا هي ضبط الأسعار , وأقربها منالا هي معالجة
الاحتكارات ,
اقرب هذه الإجراءات منالا هي خفض الرسوم على الخدمات التي هي حق لكل مواطن
وتأكل أكثر من نصف دخله ؛ الهاتف والمياه والكهرباء وفاتورة الصحة والتعليم
والسكن والنقل
اقرب هذه الإجراءات منالا هي إلغاء ضريبة القيمة المضافة ولو على السلع
الغذائية الأساسية ,
اقرب هذه الاجراءات منالا وتأثيرا مباشرا هي العدالة في الإنفاق الاجتماعي
فلا يبقى دعم بعض السلع( طحين الأفران مثلا ) والخدمات ( الكهرباء والزفت
مثلا) دعما سياسيا او تمييزيا أو انتخابيا
إلى أن يوفق قادة البلد إلى إستراتيجية اقتصادية اجتماعية مناسبة للبنان
اقتصاديا واجتماعيا بما وصل إليه من اختناقات سببتها سياسات التفرد ؛ لماذا
لا تقوم الدولة بتشكيل هيئة خاصة لدعم القيمة الشرائية للأجور تكون مهمتها
التفتيش عن الإجراءات التي تعيد إلى جيوب المواطنين بعض ما سلبه إهمال
الدولة أو إعمالها لكثير من السياسات المجحفة والظالمة
تصحيح القيمة الشرائية للأجور يريح الفقراء , ولا يزعج سوى جيوب امتلأت
نهبا , وسياسات رهنت اقتصادا وتكاد تسقط وطنا
|