|
أول محك لحكومة
الوحدة والتوافق هو السياسات الاقتصادية والاجتماعية
مسكين هذا الاقتصاد في الوطن كيف سيجد حلا لمعضلاته مع من هو سبب لها ,
ودور فيها
توتران ظاهران على الساحة اللبنانية يوشك شهر حزيران من العام الجاري 2008
أن يقفل عليهما ؛ توتر سياسي تبلغ ذروته في الأبواب الموصدة أمام ولادة
حكومة الوحدة الوطنية , وتوتر امني تنقلت أحداثه المشبوهة في غير منطقة
لبنانية , وكلا التوترين كان من المفترض أن تقفل عليهما نصوص اتفاق الدوحة
وهو الأمر الذي لم يحصل فلم تنعم ساحاتهما بالهدوء والعودة إلى الوفاق
الوطني . وربما كان لهما حظ في القادم من الأيام , ( بعدت أم قربت ) في أن
تعود اتفاقات الدوحة لتأخذ طريقها في أعادة الأمل للبنانيين في وطن قابل
للحياة,وفي انطلاقة تأسيسية جديدة , يشرعون ببنائها , انطلاقا من وحدتهم
على ثوابتهم الوطنية الحقة في الحرية والسيادة والاستقلال مع إزالة ما طرأ
على حياتهم فيها في السنوات الثلاث الأخيرة , وانطلاقا من مكنون هائل في
قدرتهم على إعادة دورة الحياة الإنتاجية والاقتصادية إلى سابق عهدها , في
الفاعلية , وفي الاستجابة المتحركة الدائمة لتلبية حاجات التطور والنهوض ,
في كافة الظروف , بعد أن تتأمن لهم استراتيجيات البناء الجديد للبنان , في
الاقتصاد , وفي الاجتماع,وفي الإدارة, وفي كل بنى الحياة المدنية ,
والوطنية, والمواطنية .
نعم , اللبنانيون قادرون على إعادة دورة الحياة في لبنان إلى طبيعتها
المنتجة , السمحة والمعطاءة , ولا يعوزهم في ذلك إلا قليل من التدبير
والحكمة من قبل المتصدين للشأن العام والماسكين بسبل إدارة البلد وسن
استراتيجيات الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيه .
اللبنانيون قادرون على العطاء , واثبات جدارتهم بالوطن وبالحياة , شرط
إزالة عوامل الإعاقة المصطنعة من طريق اقتصادهم , وفي مقدمها رعاة المصالح
الخارجية وأدوات الارتهان والتبعية في الاقتصاد الوطني ، ألا تكفي تجربة في
ذلك ( وفي حياة اللبنانيين ) السياسات الاقتصادية التي اتبعت منذ ثمانية
عشر عاما ونيف , ومديونية الأربعين مليون دولار , وتهدم مرتكزات الاقتصاد
الإنتاجي , وثبات عدم السماح لنا حتى بالالتحاق المجدي بالاقتصاد الريعي
وأخذ حصتنا منه في اقتصاد العولمة , أو عدم القدرة على هذا الالتحاق .
اللبنانيون قادرون على استعادة استقرارهم , وهناءتهم , وأمجادهم ,
واطمئنانهم الحياتي , والمعيشي ,والاجتماعي إذا بترت عنهم أيادي السوء ,
التي تعمل في تخريب أنظمتهم , وقوانينهم , وأعرافهم , وتقاليدهم الاجتماعية
, لصالح أنظمة وقوانين واملاءات السياسات الخارجية الغريبة عنهم , وعن
مناهجهم وأهدافهم في الحياة , فضلا عن غربتها وتناقضها مع قدراتهم
واستعداداتهم .
اللبنانيون قادرون على إعادة بناء مؤسساتهم الدستورية والقانونية ,
وبالتالي على إدارة دولتهم , وإعادة بناء السلطات ومواقع القرار المستقل
فيها شريطة قطع يد المصالح والمتطلبات الخارجية عنهم , فهم يدركون مصالحهم
, ويدركون احتياجاتهم , ومستعدون للعيش في حدودها , وليس لهم ما يهمهم هم
في ما يطلبه الآخرون لهمومهم ونزعاتهم وخصوصا إذا ما تقدم على همهم , ويراد
منهم أن يدفعوا من جيبهم وأمنهم ومستقبلهم الثمن المطلوب له .
إذا ما قدر لاتفاقات الدوحة أن تتجاوز نوايا نقضها وتنشئ حكومة الوحدة
الوطنية , فان أول محك لمصداق مفهوم الوحدة والتوافق فيها هي السياسات
الاقتصادية والاجتماعية , التي يجب أن تأتي موحدة لجهود البلد وقطاعاته
الاقتصادية , لا مؤشرة على استمرار نهج التبعية مع قدوم عهد جديد يقال عنه
, أو يراد له , أن يكون توافقيا ، فالتوافق يكون في السياسة وفي الاقتصاد ,
وفيهما معا يبنى الوطن التوافقي والعيش الواحد , ولا غنى لأحد عن الأخر .
صحيح أن هناك توتران ناشئان , يمر بهما البلد , ويلقيان بإثقالهما عليه ،
توتر سياسي و توتر أمني , ويشغلان أهل الشأن العام فيه , لكن التوتر المقيم
الذي يشتغل بالبلد وأهله , ويعمل فيهما على مدار الساعة ، هو التوتر
المعيشي والاجتماعي , وهو التوتر الذي لم يجد بعد من يشغل نفسه به من أهل
الحل والعقد , وليس صحيحا أن الاستعصاء هناك فقط ، بل الاستعصاء هنا أيضا ،
سيما مع عائد إلى حكم لا يرف له جفن لألام الفقراء وجوعهم , لقلقهم وخوفهم
.
مسكين هذا الوطن. هذا الاقتصاد في الوطن ، كيف سيجد حلا لمعضلاته مع من هو
سبب لها , ودور فيها , وقائم وجوده عليها , ,وهي أصل في نعمة وصوله إلى حيث
وصل , وإذ أصبح نهجا , فربما كانت كل التوترات في السياسة والأمن أداة من
أدوات الثبات عليها , أو الهروب من استحقاقاتها . ومن يوم الحساب فيها .
|