|
من خصائص الطير
لسعة حب
شيء ما غلب في العقدين الأخيرين على مزاج عدد من المهتمين بالشأن العام
اللبناني ولم تسلم منه الساحة النقابية .. وإن كنا لا ننفي رمقا باقيا ،
فإن شيئا ما أوقف عقارب الزمن في الحركة النقابية اللبنانية وإن لم يوقف
نبضها .. لكن المؤلم ان دق عقارب الساعة يمسي ثقلا إن لم يحصد زمنا نافعا .
من ثوابت الطير في حياته أن الـ"تحت" عنده إستثناء ، والـ"فوق" هو الأصل ،
وأن الجمود عنده استثناء والحركة هي ألأصل، وأن المكوث استثناء والانتقال
أصل، وعلى هذا
يُروى أن طيراً مر يوماً في قياف لمرميات زمن ، هي على غير خلقة ما نعرف من
إنسان وحيوان ونبات وهواء وماء وذرات ، هي عير ذلك في الطبيعة والطبع.
جسوم تقولبت ، لا طول فيها ولا عرض ، يرون البصر العاقل في لف كيانها ، أو
في جمع مكانها.. مَواهٍ غيرُ مُدرَكَةٍ ، وكِيافٍ غيرُ محدّدة .
متروكاتُ زمانهِا الخَرِبِ ؛ امتنعت عنها دورات الخِلقة وسُننها ، فلم يكن
لسابق عهدها لاحق ، بل كل حاضرها سابقٍ ، وزمانهُا يجري إلى خلفٍ.
جاء الطير مقلبَهَا فتراءى لعينيهِ عَجبٌ ، وداخل سمعه وَصَبٌ: بقاعٌ
تعجُّها مركوماتُ عيْبٍ لا سابق عهد لها بارتفاع ، خطاها تفاتف نعالها ،
ونباتهُا لصْقُ ترابها ، ما استشعرت فضاءً ،وما خبرت شمساً ، قاموسها : تحتُ
، جوفٌ ، وقعرٌ .. ومعجم الطير : من سوٍ ، إلى فوق ، إلى علٍ ، إلى فضاءٍ ،
إلى انطلاق بالواسع من الرحِبِ .
كان وما زال ( رغم أنف انفلونزا الطيور ) من شأن الطير أنه إذا حلّ أرضاً
استبشر أهلُها ، وحَرُك سهلُها ، وأذّن فجرُها .. لكنه بحلوله "منسيتَهم"
لم يلحظ في الصدى مأهولاً ، ولم يلق لِبشرهِ وبُشراه إقبالاً.. فقد ساح من
فوقهم سوح جاذب فما عنوا ، وحطَّ على سوافِلِ قاعِهِم نافعا فما استنفعوا ،
طار محتجا فما اكترثوا ، مال بهم يمنى ، حنّ بهم يسرى ، فما مالوا ولا
حنوّا .. ادرك أن ما بين يدي أشباه معلقة .. صفق بجناحيه .. دار حول ما يرى
دورة كاملة ، ومع دورة عقارب الساعة باشر دورة أخرى .. وراحت كل منظومة في
دقات دوراته تنشد :
لا يصنع الزمن السوي أناسـه الناس للزمن السوي مصانـع
يوماً بيوم نصنع الزمن الـذي نرضاه أو يبقى الزمان الضائع
|