|
في رحاب مشروع
موازنة 2009
عود على
بدء, السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة اللبنانية, أو قل : للسلطة
الاقتصادية اللبنانية, لنكون أقرب إلى الحقيقة في توصيف ما هو قائم في
إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين, لقد غيب الفريق الحاكم كل
مناهج وأدوات وأساليب الحكم , من ديمقراطية وتمثيل ومشاركة , واستحضر
التفرد والفرض والاستئثار, هكذا يبدو المشهد العام , للواقع اللبناني في
علاقة المستوى الرسمي بالمستوى الشعبي , وفي علاقة أسس وأهداف القرار
بنتائجه , وفي علاقة الحاضر القلق بالمستقبل المجهول للوطن في مختلف الشؤون
الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية , التي تتفكك فيها عناصر
التماسك الوطني , وتجتمع فيها عناصر التنافر الهادمة لبديهيات تشكل وحفظ
وديمومة الأوطان , كل هذا الكلام لنقول إن وطنا غيبت عنه وُزيفت مبادئ
قيامه , وعلل وجوده , وأسس هويته , وفي حالة لبنان غيب حراكه الاجتماعي
القائم على المشاركة الجوهرية في صياغة العام والخاص فيه , هو وطن بدون شك
يعيش مرحلة ملتبسة.
من الذي فعل بلبنان كل هذا ؟ هل يمكن لنا أن نتلمس بعض إجابات من رحاب
مشروع موازنة 2009 في عهد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير المال محمد شطح
؟
أولا : إن مشروع موازنة 2009 مثقل بالتردد والخيبة من أوله, فهو لا يوحي
بالثقة بكونه مشروع موازنة دولة مقبلة على المعافاة , ماسكة لأمورها ,
واثقة بمستقبلها , فمشاريع الموازنات عادة تأتي سنة بسنة لتضخ روح الحياة
في الدولة , وتستنهض القوى الاقتصادية والاجتماعية من حولها , فتوجد حراكا
متحفزا ومتحمسا رسميا وشعبيا , إداريا واقتصاديا ’ في القطاعين العام
والخاص لتحقيق الأهداف السنوية على الأقل وليس الشهرية كما في بلدان العالم
لكل موازنة , فأين نحن من كل ذلك , هل يستطيع قادة مشروع الموازنة أن
يخرجوا على الناس ليقولوا أين هم من ذلك , ويرفعوا عنهم بذلك صفة السلطة
المتفردة والفارضة والمستأثرة ؟.
ثانيا : إن مشروع موازنة2009, الخاص برئيس الحكومة ووزير ماليته , والذي تم
علكه ثنائيا مع الوزراء , ويتم علكه تاليا في مجلس الوزراء , يبدو أنه من
أوله ثقيل على الهضم , ولن يكون بمقدوره تقديم نفسه للاستهلاك العام , بعد
كل هذه الشوشرة التي أحاطت به , ورغم كل هذا التمويه والتجميل الذي غلف
أرقام نفقاته ووارداته. نستطيع الآن أن نقول: إن مشروع موازنة 2009 هومشروع
موازنة دوران حول العجز الاقتصادي والمالي دون تقديم حلول, وفي زمن الأزمة
الاقتصادية المالية العالمية, ندرك خطورة أن نكون أمام موازنة إدارة حال
واستهلاك وليس أمام موازنة تغيير وإنتاج.
ثالثا : إن مشروع موازنة 2009 الذي بذل جهدا لحصر النفقات , وفرض هذا الحجم
من التقشف المعطل لدور الدولة في الخدمات والرعاية الاجتماعية ( صحة ,
تربية وتعليم ,كهرباء وماء وبنى تحتية ) وطاول تقشفه حتى بالتقسيط الحقوق
والواجبات ( تعويضات ,ديون مستشفيات وضمان ) فهو عندما وصل إلى باب
الإيرادات اصطدم بالجدران الصلبة القاسية , ووجد العنكبوت نفسه بالشرنقة
الخانقة لعجز توازنه في إيرادات موازنته . وقع في حفرة تحرير التجارة
والأسواق المفتوحة التي لم يحضر نفسه لها, فلم يقدر على رفع أي من الرسوم
الجمركية لتعزيز موارده. وأطبق عليه فخ أموال باريس 3 بحجة الأزمة المالية
العالمية, وهو الذي طالما تحدث عن آمالها, وعن حلولها السحرية. والاستدانة
باتت خيارا مستحيلا أمام ضغوط الفوائد المتراكمة على المديونية, والتي
تترنح تحت ثقلها الخزينة العامة.ثم هل تمكن مشروع موازنة 2009 من توظيف
بنود وافية للاستثمار المنتج سواء في المشاريع الخدمية العامة, أو في دعم
القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية والتجارية ليتحقق منها دخلا وناتجا
ينعكس نموا في الاقتصاد ؟ أبدا, فما الذي بقي من أبواب للإيرادات يطرقها
مشروع الموازنة, غير إرهاق المواطنين برسوم البنزين, وبعض الرسوم المهربة
في دفاتر السوق, هل علينا أن ننتظر رفعا للضريبة على القيمة المضافة على
اللؤلؤ والألماس.
رابعا : ورغم أننا كلبنانيين ، نلتزم القوانين,وندفع ما علينا من ضرائب
ورسوم, ونعمل, ونعلن استعدادنا للعمل في كل فرصة عمل متاحة , ولسنا شعبا
خاملا إننا نتقصى البحار والقفار لندعم عوائلنا , وبرغم أننا كمواطنين وغير
عابري سبيل , لسنا ملزمين إلى هذا الحد بتقبل هذه الحياة القلقة والمفجعة ,
إلا أننا قبلنا وصبرنا , فهل قبل منا مشروع موازنة 2009 ما تقبلناه من مضض
العيش وشظف الحياة , وما الذي أعطاه لنا ؟ وما الأمل الذي دعانا للتطلع
إليه, كم يحتاج هذا النوع من السلطة الاقتصادية والاجتماعية ليحقق الرفاهية
لمواطنيه؟ وقد تسلط لأكثر من ثمانية عشر عاما ولم يؤمن لهم الضرورات ؟!
|