٥ حزيران ٢٠٢٦ 
أصدر رئيس اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام عماد ياغي البيان الآتي: أتوجه إلى الرأي العام اللبناني، وإلى الأسرة التربوية بكل مكوناتها، في لحظة وطنية دقيقة تتقاطع فيها الاعتبارات التربوية مع المخاطر الأمنية والإنسانية التي يعيشها آلاف الطلاب والأهالي والمعلمين في مختلف المناطق اللبنانية. إن ما تشهده البلاد من اعتداءات متواصلة، وحالات نزوح، واضطرابات اجتماعية واقتصادية، يفرض مقاربة استثنائية للملف التربوي، تنطلق من حماية الإنسان أولًا، لا من حماية الإجراءات والأنظمة بوصفها غاية قائمة بذاتها. ومن هنا أجد نفسي مضطرًا لطرح السؤال الجوهري الذي يجب أن يسبق أي نقاش حول الامتحانات والشهادات والمعايير الأكاديمية: هل وُجد النظام التربوي لحماية نفسه، أم لحماية الإنسان ؟ إن القوانين والأنظمة التربوية وُضعت أساسًا لضمان حق المتعلم في التعليم الآمن والعادل، لا لتحويله إلى ضحية لظروف خارجة عن إرادته. وعندما تتعارض الإجراءات الإدارية مع سلامة الطلاب وحقوقهم الأساسية، تصبح الأولوية الأخلاقية والقانونية للإنسان لا للإجراء. لقد تابعت، كما تابع اللبنانيون جميعًا، إصرار وزارة التربية على اعتماد مقاربة تقوم على توحيد المعايير والتمسك بإجراء الامتحانات الرسمية بوصفها أولوية مطلقة، في وقت يعيش فيه الطلاب ظروفًا غير متكافئة على الإطلاق من حيث الأمن والاستقرار وإمكانية الوصول إلى التعليم. وإنني أرى أن المساواة الشكلية بين حالات غير متساوية لا تنتج عدالة، بل تؤدي إلى ظلم موصوف يتناقض مع أبسط المبادئ التربوية والحقوقية. والأكثر إيلامًا أن واقعنا المرير شهد خلال الأشهر الماضية ارتقاء طلاب من المدارس والجامعات شهداء أثناء توجههم إلى مؤسساتهم التعليمية أو عودتهم منها. وهنا أسأل بكل مسؤولية: أين موقع الحق في الحياة ضمن سلّم الأولويات؟ وأين حق هؤلاء الطلاب بالأمان؟ وكيف يمكن الحديث عن حماية الشهادة الرسمية فيما لم تتمكن السلطة من حماية أصحاب هذه الشهادات أنفسهم؟ إن الحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية هدف مشروع ومطلوب، لكن القيمة الحقيقية لأي شهادة لا تُقاس فقط بمستواها الأكاديمي، بل أيضًا بعدالة الظروف التي مُنحت في ظلها، ومدى احترامها لحقوق المتعلمين وسلامتهم وكرامتهم الإنسانية. ومن هذا المنطلق، أرى أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تفرض إعادة النظر بصورة جدية في مسألة الامتحانات الرسمية، والبحث في الخيارات القانونية والتربوية البديلة، بما يضمن حفظ حق الطلاب في التقييم المنصف دون تعريضهم لمزيد من الضغوط والمخاطر. إنني أدعو وزارة التربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تكون سلامة المتعلم وحقه في الحياة والأمان والعدالة في مقدمة الاعتبارات، لا أن تُقدَّم عليها اعتبارات إدارية أو شكلية مهما بلغت أهميتها. فالسلطة لا تُقاس بقدرتها على فرض الامتحانات في زمن حرب الإبادة الجماعية والاعتداءات والجرائم ، بل بقدرتها على حماية الإنسان عندما تصبح حياته نفسها موضع تهديد. أما التربية الحقيقية، فلا تبدأ من الدفاع عن النظام، بل من الدفاع عن الإنسان الذي وُجد النظام من أجله. |