٢٢ شباط ٢٠٢٦ 
تنعكس خسائر الزراعة مباشرة على الأمن الغذائي في لبنان، خصوصاً في الجنوب الذي يشكّل ركيزة أساسية لإنتاج الزيتون والزيت والحمضيات والتبغ والخضار. لم يعد المزارع في جنوب لبنان يواجه موسماً سيّئاً أو أزمة عابرة، بل واقعاً مركّباً من الخسارة، والمنع، والانتظار. فبعد أكثر من عامين على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، تتكشّف آثار الحرب على القطاع الزراعي بوصفه أحد أكثر القطاعات تضرّراً، ليس فقط من حيث الدمار المباشر، بل لجهة انعكاس ذلك على الأمن الغذائي، والقدرة على الاستمرار، ومستقبل القرى الحدودية. “نبدأ من أقلّ من الصفر” “نحن عم نبلّش من أقلّ من الصفر، كأننا جينا عالحياة من جديد”، يقول أحمد إسماعيل، وهو مزارع من عيتا الشعب، واقفاً مع زوجته فوق ما تبقّى من أرضه. قبل الحرب، كان يزرع الحبوب والعدس والبصل والقمح في ستّ خيم بلاستيكية، بطول ستين متراً لكلّ واحدة، ومزوّدة بشبكات ريّ وخزّانات مياه. اليوم، احترق الموسم، وضاعت الخيم والمعدّات، وخسر عشرات الأطنان من القمح والشعير من دون أن يبيع كيلوغراماً واحداً. يضيف إسماعيل: “كنّا نزرع مئة دونم، اليوم نزرع عشرة فقط. ابنتاي بالجامعة، وولدي اضطرّ يوقّف دراسة. ما منعرف كيف نكمّل”. لم يحصل إسماعيل، بحسب قوله، على أيّ دعم رسمي أو من الجمعيّات، ويطالب بمستلزمات أساسية: خيم بلاستيكية، معدّات زراعية، وأرض مضمونة الوصول. خسائر مباشرة وغير مباشرة ما يرويه إسماعيل لا يشكّل حالة فردية، فبحسب رئيس “تجمّع مزارعي الجنوب” محمّد الحسيني “تكبّد المزارعون خسائر مباشرة تمثّلت بتدمير الأراضي، واحتراق المواسم، ونفوق المواشي، وأخرى غير مباشرة طالت موسمين متتاليين على الأقلّ”. ووفقاً لتقرير “التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان” الصادر في آذار/ مارس 2025 عن البنك الدولي، تكبّد قطاعا الزراعة والأمن الغذائي خسائر تُقدّر بنحو 742 مليون دولار أميركي، وتشمل هذه الخسائر نحو 693 مليون دولار من الإيرادات المفقودة نتيجة توقّف إنتاج المحاصيل، و25 مليون دولار من الثروة الحيوانية، بالإضافة إلى 24 مليون دولار متعلّقة بقطاع صيد الأسماك. وتُعزى هذه الخسائر إلى صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، واستمرار اقتلاع الأشجار، وتعطّل عمليّات الحصاد في المناطق المتضرّرة أو المستهدفة مباشرةً بالحرب، ما أسهم في تفاقم الأوضاع وتأخير التعافي. وسُجّلت أعلى الخسائر في محافظة الجنوب بمبلغ 286 مليون دولار، تلتها محافظة البقاع بنحو 212 مليون دولار، ثم محافظة النبطيّة بنحو 199 مليون دولار، كما قدّر التقرير أن احتياجات إعادة التعافي للقطاعين تصل إلى نحو 412 مليون دولار أميركي. “جزء من موسم الزيتون لم يُقطف في المناطق القريبة من الخطّ الأزرق، والموسم التالي لم يُحضّر له أصلاً، هذا يعني خسارة شبه كاملة لموسم 2025″، يقول الحسيني في حديثه لـ “درج ميديا”. ويضيف أن “مزارع النحل والدواجن والمواشي في الأودية تعرّضت لخسائر فادحة، إذ لم يتمكن أصحابها من الوصول إليها، أو اضطرّوا لبيعها بنصف السعر”. ويشير إلى احتراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، واقتلاع كروم زيتون وحقول تبغ، وتضرّر مئات آلاف الأشجار، بعضها معمّر، ما يضع الإنتاج الزراعي في الجنوب أمام فجوة طويلة الأمد، لا تُقاس فقط بالموسم الحالي. الوصول إلى الأرض… معركة بحدّ ذاتها أحد أبرز الإشكاليات التي تواجه المزارعين، هي الوصول إلى الأراضي الزراعية، خصوصاً في القرى الحدودية. وفي هذا الخصوص، يوضح وزير الزراعة نزار هاني في حديثه لـ”درج ميديا” أن الوزارة “وضعت آليّة بالتعاون مع الجيش اللبناني وقوّات “اليونيفيل”، لمواكبة المزارعين إلى أراضيهم، وقد أتاحت هذه الآليّة، رغم الصعوبات، جني جزء من موسم الزيتون وزراعة التبغ هذا العام”. لكنّ هذه الإجراءات تبقى جزئية. ففي عيترون، يروي أبو علي موسى كيف نزح عن بلدته خلال الحرب، وعاد ليجد أن القصف بالفوسفور الأبيض خفّض نسبة إنبات المزروعات إلى ما بين 40 و50 في المئة. “أزرع اليوم ربع ما كنت أزرع، خمسون شجرة زيتون احترقت، وفقدت 30 رأس غنم، والمياه مشكلة كبيرة لأن البرك الزراعية تضرّرت”، يقول. المساعدة الوحيدة التي تلقّاها كانت 300 دولار “غير كافية، أحتاج أسمدة ومعدّات لأقف من جديد”، يضيف. وفي بلدة يارين الحدودية، تختصر قصّة هادي حمود أيضاً واقع مئات المزارعين، فأرضه تبعد 200 متر فقط عن الحدود، والوصول إليها مستحيل، وقد جُرفت مئات أشجار الزيتون، بينها 600 شجرة تعود له ولوالده، وخسر الجرّار والدرّاسة والمعدّات، وكان نزح مع عائلته بعد اندلاع الحرب في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، ويعيش اليوم في صور، يبيع ما تبقّى لديه من مقتنيات لتأمين المعيشة. “ضاع كلّ شيء”، يقول حمود، في توصيف لا يعبّر فقط عن خسارة فردية، بل عن خطر تفريغ القرى الحدودية من أهلها ونشاطها الزراعي. رغم ذلك، يؤكّد الحسيني أن “المزارع الجنوبي لا يملك خياراً سوى الاستمرار. الزراعة هي مصدر عيشه، وسيعود ليزرع مهما كانت الظروف، لكنّ هذا الصمود يحتاج إلى دعم فعلي، لا وعود مؤجّلة”. المزارع الصغير وحيداً: دعم محدود لا يواكب خسائر الحرب إلى جانب الخطر الأمني والتلوّث، يواجه المزارعون أزمة تمويل خانقة. فبحسب الحسيني، اختفت القروض الصغيرة وبرامج الدعم التي كانت متاحة قبل الحرب، كما تراجعت مساهمة المنظّمات غير الحكومية. “المزارع الصغير لا يملك القدرة على البدء من جديد، القفير الواحد للنحل يكلّف بين 100 و150 دولاراً، والخيم الزراعية تحتاج إلى رأسمال أوّلي غير متوفّر”، يقول الحسيني، مشيراً إلى أن “بعض المبادرات الدولية لا تزال محدودة، وغالباً ما تُربط بقرارات سياسية، ما يؤخّر وصول المساعدات في وقت يحتاج فيه المزارعون إلى دعم فوري”. من جهته، يؤكّد هاني أن وزارة الزراعة “وضعت خطّة تعافٍ تمتدّ لثلاث سنوات، تهدف إلى إعادة إحياء القطاع الزراعي وتعزيز فعّاليته وديناميته، وليس الاكتفاء بإصلاح الأضرار فقط”، إلا أن محدودية التمويل جعلت الوزارة تقدّم حالياً مساعدات نقدية محدودة تتراوح بين 300 و800 دولار للمزارعين، إلى جانب توزيع شتول زيتون ودعم جزئي للقمح. وكانت الوزارة قد أعلنت عن هذه المساعدات في تاريخين منفصلين: الأوّل في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر لشتول الزيتون، والثاني في 27 من الشهر نفسه لبذور القمح، مع شرط أن يكون المزارع مسجّلاً في السجلّ الزراعي للاستفادة من الدعم. لكن وفقاً لآراء بعض المزارعين، فإن مشكلة توزيع المساعدات لا تكمن فقط في نفاد الكميّات، بل أيضاً في عدم شمولها كلّ المزارعين المسجّلين، كما يشيرون إلى أن هذه المساعدات لا تلبّي احتياجاتهم الفعلية في المرحلة الحالية، إذ إن الشتول صغيرة وتحتاج سنوات طويلة لتُثمر، بينما يحتاج المزارعون دعماً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب والنهوض بمزارعهم الآن. نعود إلى المزارع إسماعيل من عيتا الشعب، المسجّل في السجلّ الزراعي، فيقول: “نصبة الزيتون لا تُزرع، اليوم وزّعوا لكلّ بيت نصبتين فقط، الكلّ مسجّل، ولم نحصل على أكثر من ذلك، وغالبية الناس لم يستفيدوا من الشتلات لأنها صغيرة جدّاً”. بدوره، يشير المزارع حمود ابن يارين: “لم أسجّل لأن عمليّة التسجيل تستغرق نحو خمس ساعات. الزيتونات التي وزّعوها طولها 10 إلى 15 سنتيمتراً فقط، والبذور التي أعطوها إيّاها لا تفيدنا. حتى لو سجّلت وانتظرت دوري، لن أستفيد من 10 شتلات ستحتاج سنوات لتُثمر، أما القمح الموزّع (15 كيلو) فهو لا يكفي شيئاً بالنسبة لي كمزارع، بل أستخدمه لإطعام الدجاج فقط”. بينما يؤكّد المزارع موسى من عيترون، أنه مسجّل في السجّل الزراعي، ولكنّه لم يتسلّم شيئاً، ويقول: “يبدو أن هناك استنسابية في التوزيع. لم يُبلّغنا أحد، ولم يُسلّم لنا الدعم، ناس بسمنة وناس بزيت بهالبلد”. التربة بين التطمين والقلق العلمي أدّت القنابل الفوسفورية في الحرب الأخيرة على جنوب لبنان إلى تدمير مساحات زراعية واسعة، وإلحاق أضرار جسيمة بالمحاصيل والأشجار المثمرة، ووفق تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية، استخدمت القوّات الإسرائيلية بين 8 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، و27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، نحو 284 قذيفة فوسفورية، ما ألحق أضراراً كبيرة بقطاع الزيتون، وتسبّب في احتراق نحو 47 ألف شجرة زيتون، بحسب برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (UNDP). في السياق نفسه، وثّقت منظّمات حقوقية دولية، بينها “هيومن رايتس ووتش”، استخدام الفوسفور الأبيض في 17 بلدة وجماعة محلّية في جنوب لبنان، من بينها خمس حالات تفجير فوق مناطق سكنية مأهولة، في انتهاك للقانون الدولي الإنساني، واعتبرت منظّمة العفو الدولية، في تقرير نشرته في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، أن استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض كان “عشوائياً وغير قانوني”، مطالبة بفتح تحقيق باعتباره جريمة حرب. في المقابل، تطمئن وزارة الزراعة إلى نتائج الفحوصات التي أُجريت حتى الآن، إذ يشير الوزير هاني إلى فحص نحو 1200عيّنة من التربة، من دون تسجيل مستويات تلوّث خطرة بالفوسفور الأبيض، ويوضح أن “تأثير هذه المادّة يكون مرتفعاً فور القصف، لكنّه يتراجع لاحقاً بفعل الأمطار، كما لم تُظهر فحوصات الزيت والزيتون مستويات مقلقة على صحّة الإنسان”، ما دفع وزارتي الصحّة والبيئة إلى إصدار بيان مشترك يطمئن إلى “سلامة استهلاك المنتجات الزراعية الجنوبية، ولا سيّما الزيت والزيتون”. إلا أن مؤسّس جمعيّة “الجنوبيون الخضر” هشام يونس يقدّم قراءة أكثر حذراً، ويعتبر أن “حجم القصف وكثافته، إضافة إلى أنواع الذخائر المستخدمة خلّف ثلاثة أنماط رئيسية من الضرر في التربة: تدمير الطبقة السطحية بفعل الحفر والتجريف، تلوّث كيميائي ناتج عن بقايا المقذوفات والمعادن الثقيلة ومركّبات الفوسفور الأبيض، وتراجع الخصوبة نتيجة الاحتراق المتكرّر وفقدان المادّة العضوية”، ويحذّر من أن “هذه الأضرار قد تترك آثاراً طويلة الأمد على سلامة السلسلة الغذائية، وقدرة التربة على استعادة وظائفها الإنتاجية”. وبحسب يونس، فإن “المناطق التي تعرّضت لاعتداءات مكثّفة، ولا سيّما في الشريط الحدودي، تحتاج إلى تقييم بيئي منهجي لتحديد مستوى سلامة التربة والزمن اللازم لتعافيها، إضافة إلى مسح البؤر المحترقة والملوّثة، وتحليل التربة والمياه قبل إعادة الزراعة، ووضع خرائط للمناطق التي يجب تجنّب استخدامها زراعياً مؤقّتاً”، ويشدّد على “ضرورة الانتقال، على المدى المتوسّط، إلى برامج لإعادة تأهيل التربة تعتمد المعالجة الحيوية واستعادة الخصوبة، بالتوازي مع دعم المزارعين المتضرّرين وترميم البنى الزراعية وشبكات الريّ”. الأمن الغذائي في لبنان بين الخسائر الزراعية والأزمة الاقتصادية تنعكس خسائر الزراعة مباشرة على الأمن الغذائي في لبنان، خصوصاً في الجنوب الذي يشكّل ركيزة أساسية لإنتاج الزيتون والزيت والحمضيات والتبغ والخضار. ويشير يونس إلى أن “التدمير المتعمّد للبنية الزراعية في المنطقة الحدودية والمناطق المحيطة، أدّى إلى خسائر مباشرة على المستويين المحلّي والوطني، ومن شأنه أن يزيد الضغط على الأمن الغذائي في ظلّ الأزمة الاقتصادية الحادّة”، ويرى أن “أيّ انقطاع طويل في النشاط الزراعي، سواء بسبب استمرار الاعتداءات أو توسّع نطاقها، سيؤثّر على كميّة السلع الزراعية المتاحة وتنوّعها، ويزيد الاعتماد على الاستيراد، مع انعكاسات مباشرة على المجتمعات المحلّية والاقتصاد الوطني”. ويواجه لبنان أزمة غذائية عميقة ومتفاقمة، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) للعام 2025، ويعيش 1.26 مليون شخص في مرحلة الأزمة (المرحلة الثالثة)، بينهم 85 ألف شخص في مرحلة الطوارئ (المرحلة الرابعة)، ما يعكس الحاجة الملحّة إلى تدخّل إنساني، ويظهر التفاوت في التأثير على اللاجئين، إذ يقيم 34% من اللاجئين السوريين و45% من الفلسطينيين في مرحلة الأزمة وما فوق، وتشير منظّمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي، إلى أن لبنان أصبح اليوم نقطة ساخنة “مثيرة للقلق الشديد” بسبب تصاعد النزاع والنزوح والتدهور الاقتصادي. وعن هذا يعقّب الحسيني: “الزراعة تؤمّن مصدر دخل أساسي أو تكميلي لكثير من الأسر. انعدام هذا المصدر، سواء من الزيتون أو الأشجار المثمرة أو العمل الزراعي، أثّر بشكل مباشر على الأمن الاجتماعي والاقتصادي في القرى والمناطق الريفية”. صمود بلا ضمانات رغم ذلك، يؤكّد الحسيني أن المزارع الجنوبي لا يملك خياراً سوى الاستمرار “الزراعة هي مصدر عيشه، وسيعود ليزرع مهما كانت الظروف، لكنّ هذا الصمود يحتاج إلى دعم فعلي، لا وعود مؤجّلة”. بين الأرقام الرسمية، والتحذيرات العلمية، وشهادات المزارعين، يتّضح أن أزمة الزراعة في جنوب لبنان تجاوزت كونها خسارة اقتصادية، لتصبح مسألة سيادية تتعلّق بالأرض، والبقاء، والأمن الغذائي. وفي غياب مسار واضح للتعافي، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يستطيع المزارعون الصمود وحدهم؟ المصدر: daraj |