٢٠ تموز ٢٠٢٦ 
بخفوت يقارب الصمت، مرّت التعديلات على اقتراح قانون الإعلام الذي أقرّه مجلس النوّاب قبل أيّام، مشرّعةً سَجن الصحافيّين بناءً على تعابير فضفاضة ومنعَهم من تأسيس نقابات لهم، إلى جانب أمور أخرى. كان ليكون صمتًا مبرّرًا بالتطوّرات في لبنان والمنطقة و«التفاوض» مع العدوّ، لولا أنّ مصدر الصمت أوّل مَن تمسّه التعديلات، ألا وهو الإعلام! تفضيل المصلحة الذاتية والآنية والمال السياسي هكذا، لم يتجاهل معظم الإعلام الموضوع فحسب، بل نسي دوره الرقابي أوّلاً وتأثّره به ثانيًا، وكأنّه يستسلم لمصيره حتّى قبل أن توضع رقبته تحت المقصلة. المفارقة أنّ الكثير من هذا الإعلام تسبّب أساسًا بالوصول إلى هذه الحال، عبر دعم السلطة الحالية، أو شنّ حملات على كلّ مَن حاول الإصلاح، أو تفضيل المصلحة الذاتية والآنية والمال السياسي على المصلحة العامّة، فانتهى به المطاف جانيًا على نفسه كما فعلت براقش! الحبس والأشغال الشاقّة وتنصّ المادّة 104 من القانون على معاقبة مَن يقوم بـ«اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية» بالحبس لمدّة قد تصل إلى 3 سنوات، مع إمكانية تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقّة. أمّا المادة 106، فتفتح الباب مجدّدًا أمام العقوبات الجزائية بما فيها السَجن إذا أثبت المدّعي أن المادّة المنشورة كانت بخلفية «افترائية أو ابتزازية أو تشهيرية، أو تنسب أفعالاً جرمية نالت من المتضرّر». صحيح أنّ الأخبار الكاذبة والمضلّلة باتت تجتاح الفضاء العامّ في لبنان، وبات واجبًا محاربتها، إلّا أنّها بغالبيّتها تأتي من صفحات وجِهات مجهولة المصدر، قبل أن يعيد نشرها آخرون. بمعنى آخر، محاربة هذه الظاهرة يبدأ من مكان آخر، وعبر وضع استراتيجيّات متكاملة تستهدف المصدر، وليس بتعابير فضفاضة تلاحق الصحافيّين ويمكن تفسيرها حسب المزاج لإسكاتهم. ففي بلد مثل لبنان، ما الذي يمنع احتمال تدخّل جهة سياسية لدى القضاء، وادّعاء أنّ صحافيًّا لا تستسيغه «اختلق أضاليل» أو نشر «مادّة افترائية» بحقّها، لتسويغ دكّه في السجن؟ خطر نموذج «رام الله» تزداد الشكوك أيضًا بما أنّ السلطة ذهبت للجلوس مع العدوّ وتنفيذ مطالبه الأمنية على حساب الوطن، أي قد نصبح قريبًا أمام نموذج «رام الله» في بيروت، فيُلاحَق الصحافيّون على انتقادهم العدوّ ومجازره أو ربّما حتّى إبراز دعمهم لفعل مقاومته ولو كانت ثقافية. والأمر ليس مستبعدًا، بما أنّ ناشطين أوقفوا حتّى قبل إقرار القانون الجديد بسبب إظهار دعمهم للمقاومة أو انتقاد رئيسَي الجمهورية والحكومة. مشاركة الإعلام نفسه ويبدو أنّ الإعلام المهيمن، كعادته، يفضّل المصالح الآنية على المصلحة العامّة، فيبقى صامتًا، مرتاحًا إلى كون السلطة الحالية في صفّه بعد أن شارك في ولادتها، متناسيًا أنّ الوجوه في السلطة قد تتبدّل مستقبلاً. فقد شارك في الدعاية السياسية قبيل الانتخابات النيابية، وفي تضليل الناس للتصويت لحيتان مال وأدوات بيَد الخارج، وفي التسويق للمخالفات الدستورية التي أوصلت رئيسَي الجمهورية والحكومة إلى منصبَيهما من دون تمثيل نيابي واضح، وفي تسويغ قرارات حكومية تشوبها عاهات وتمديد ولاية مجلس النوّاب وصولاً إلى التطبيع مع العدوّ. وسائل إعلام قليلة تناولت الموادّ الملغومة، رغم إعلاء الصوت من صحافيّين ومنظّمات حقوقية، بالإضافة إلى غياب تحديثات متعلّقة بالذكاء الاصطناعي. ومعظم هذه الوسائل الإعلامية من الصحف والمواقع، أي إنّ نسبة كبيرة من اللبنانيّين ممّن يعتمدون على شاشات التلفزة حصرًا لم يعرفوا بتمريره. جنت على أهلها «الجديد» من بين القنوات المهيمنة، فقط «الجديد» شنّت هجومًا على القانون في مقدّمة نشرتها مساء الخميس الماضي، علمًا أنّ القناة ليست بريئة من المشاركة في التصرّفات الآنف ذكرها التي أوصلت إلى هذا الوضع، فجنَت على نفسها أيضًا. وهي بشكل خاصّ، شكّلت لسنوات منبرًا في نشرات أخبارها لرئيس لجنة الإدارة والعدل جورج عدوان، ولوزير الإعلام بول مرقص منذ ما قبل تسلّمه الوزارة، بالإضافة إلى تسويقها سياسيًّا الحكومة ورئيسها والبلدان التي تدعمه وقراراتها، ولو أنّها توجّه انتقادات إلى أداء بعض الوزراء. وممّا جاء في المقدّمة أنّ «العزف النشاز كان على قانون الإعلام وصندوقه الأسود بإلغاء محكمة المطبوعات واستنساخ محاكم مدنية على غرار المحاكم العرفية في تقييد حرّية التعبير واستخدام مصطلحات حمّالة أوجه مسنودة بعقوبات مشدّدة تتخطّى سنين السجن إلى الأشغال الشاقّة بما يتعارض مع المعايير الدولية لحرّية التعبير. وبعبارة أوضح تمخّض القانون فولّد فأرًا». وأضافت: «المسخ هذا يهدّد المؤسّسات الإعلامية بالإقفال ويهرّب الاستثمارات ويقضي على الإنتاج اللبناني. ومن أبرز معجزاته أنّه يلغي الحماية عن الملكية الفكرية ويستبدل مجلسًا وطنيًّا لإعلام عاطلاً من العمل بهيئة أعطل منه ولا يتماشى مع العصر الحديث إذ لم يرصد ولو بندًا واحدًا يراعي تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي وأقلّ ما يقال فيه إنه ناجم عن حقد موصوف». إعماء «السلطة الرابعة» باختصار، لم يُظهر الإعلام في لبنان عدم فعاليّته بالنسبة إلى المجتمع فحسب، بل أثبت أنّ وجوده «مثل قلّته» حتّى عندما تصل الموس إلى رقبته، طالما أنّ أجندات مموّليه السياسية لا تقتضي منه التصرّف. قرارًا بعد قرار، يُترك المجتمع لمصيره، فيما يصل الآن الدور إلى أعينه الساهرة خلف سور الأبراج العاجية، أي أعين «السلطة الرابعة» التي من دونها يجهل مصيره هذا. المصدر: الأخبار ملاحظة: المواد المنشورة في هذا الباب تمثل آراء كاتبيها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع. |