الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مقالات صحفية مختارة > الحرب على زيتون الجنوب: الاحتلال يستهدف الجذور

١٠ آب ٢٠٢٦

كتب عماد ياغي 

في الحروب، تُقصف المدن وتُهدم البيوت، لكن أخطر الحروب هي تلك التي تُشنّ على الجذور. فالجذر لا يعني الشجرة فقط، بل يعني الإنسان الذي غرسها، وانتظر سنوات حتى أثمرت، ثم أورثها لأبنائه وأحفاده. ولذلك، عندما تتحول شجرة الزيتون إلى هدف دائم للاحتلال الإسرائيلي، فإن الأمر لا يتعلق بخشبٍ أو أغصانٍ أو ثمار، بل بمحاولة اقتلاع الإنسان من أرضه عبر تدمير كل ما يشده إليها.

 

في جنوب لبنان، لا تُعدّ الزيتونة مجرد شجرة مثمرة، بل هي فرد من أفراد العائلة. تكبر مع أصحابها، وتشهد ولاداتهم وأفراحهم وأحزانهم، وترافقهم جيلاً بعد جيل. هناك أشجار تجاوز عمرها مئات السنين، ما زالت تمد جذورها عميقًا في الأرض كما يفعل أصحابها. ولهذا لم يكن استهدافها يومًا أمرًا عشوائيًا، بل كان دائمًا فعلًا مقصودًا يحمل رسالة واضحة: إذا عجزنا عن اقتلاع المزارع بالقوة، فلنقتلع ما يجعله متمسكًا بأرضه.

 

ومن يراقب الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان يدرك أن الحرب لم تعد تقتصر على القصف العسكري. فإلى جانب تدمير المنازل والبنى التحتية، تتعرض الأراضي الزراعية لاستهداف مباشر، في مشهد يكشف أن الزراعة نفسها أصبحت في دائرة العدوان. وقد كشفت تقارير صحفية دولية عن استخدام الاحتلال طائرات صغيرة من دون طيار لرش مبيد «الغليفوسات» عالي التركيز فوق الأراضي الزراعية في المناطق الحدودية، الأمر الذي أدى إلى إلحاق أضرار بمحاصيل زراعية مختلفة، وإصابة أشجار الزيتون، ونفوق أعداد من المواشي، تاركًا وراءه أرضًا مثقلة بالخسائر وقلقًا يمتد إلى مواسم زراعية مقبلة.

 

ولم يكن ذلك سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من الاعتداءات التي استهدفت بساتين الزيتون في الجنوب. فقد أُحرقت عشرات آلاف الأشجار، فيما تعرّضت أشجار معمّرة للسرقة أو التدمير، وكأن المطلوب محو ذاكرة المكان قبل تغيير معالمه. فالاحتلال يعرف أن الزيتونة ليست مجرد مصدر للدخل، بل هي وثيقة ملكية حيّة، وشاهد صامت على أن لهذه الأرض أصحابًا لم يغادروها منذ قرون.

 

المزارع الجنوبي لا يقيس قيمة شجرته بعدد صفائح الزيت التي تنتجها فقط، بل بما تمثله من كرامة واستمرارية وانتماء

 

ولهذا السبب، تبدو الحرب على الزيتون أكثر خطورة من مجرد خسارة زراعية. فالمزارع الجنوبي لا يقيس قيمة شجرته بعدد صفائح الزيت التي تنتجها فقط، بل بما تمثله من كرامة واستمرارية وانتماء. إنها الشجرة التي ورثها عن والده، والذي ورثها بدوره عن جده، ولذلك فإن احتراقها يشبه احتراق جزء من تاريخ العائلة. وعندما يُحرم المزارع من أرضه أو تصبح غير صالحة للإنتاج، فإنه لا يخسر موسماً زراعياً فحسب، بل يخسر سببًا إضافيًا للبقاء في أرضه.

 

وهنا تكمن حقيقة هذا الاستهداف. فالغاية ليست القضاء على الأشجار بحد ذاتها، وإنما إنهاك الإنسان الذي يحرسها. فالاحتلال يدرك أن المزارع الذي يملك أرضًا منتجة سيبقى متشبثًا بها مهما اشتدت الظروف، أما إذا تحولت تلك الأرض إلى مساحة محروقة أو ملوثة أو عديمة الجدوى الاقتصادية، فإن الضغوط المعيشية قد تدفعه إلى الرحيل. إنها سياسة تقوم على تحويل الأرض من مصدر للحياة إلى عبء ثقيل، في محاولة لكسر إرادة أصحابها دون الحاجة إلى مواجهتهم بشكل مباشر.

 

وتزداد خطورة هذه السياسة لأن آثارها لا تتوقف عند الموسم الحالي. فالأشجار المعمرة تحتاج عشرات السنين حتى تصل إلى إنتاجها الكامل، والتربة التي تتعرض للمواد الكيميائية قد تحتاج سنوات لاستعادة خصوبتها، فيما يحتاج المزارع إلى إمكانات كبيرة لإعادة إعمار ما دمرته النيران أو السموم. أي أن العدوان لا يسرق الحاضر فقط، بل يسرق المستقبل أيضًا.

 

كما أن استهداف الزيتون يحمل بعدًا بيئيًا بالغ الخطورة. فهذه الأشجار تمثل جزءًا أساسيًا من النظام البيئي في جنوب لبنان، وتحافظ على التربة من الانجراف، وتساهم في التوازن الطبيعي، وتوفر مصدر رزق لآلاف العائلات. وعندما تُدمّر، لا تتضرر الزراعة وحدها، بل تتضرر البيئة بأكملها، وتدخل المنطقة في دورة طويلة من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

 

ولعل ما يجعل الزيتونة عصية على كل محاولات الإلغاء هو أنها تشبه أهل الجنوب أنفسهم؛ كلما تعرضت للقطع، عادت لتنبت من جذعها، وكلما اشتدت عليها الظروف، ازدادت رسوخًا في الأرض. ولذلك، فإن استهدافها يحمل اعترافًا ضمنياً بقوة رمزيتها، وبأنها تمثل أكثر من مجرد شجرة، بل عنوانًا للصمود والهوية والاستمرار.

 

إن الحرب على الزيتون في جنوب لبنان ليست حربًا على الطبيعة، بل على الإنسان الذي اختار أن يبقى في أرضه، يزرعها ويحميها ويعيش منها. إنها محاولة لاقتلاع المزارع قبل اقتلاع الشجرة، لأن الاحتلال يدرك أن الأرض بلا أصحاب تتحول إلى مساحة فارغة، أما الأرض التي يحرسها مزارعوها وتظللها أشجار الزيتون، فهي تبقى عصية على المصادرة مهما اشتدت الحروب. ولهذا، فإن كل زيتونة تُستهدف في الجنوب ليست مجرد شجرة تسقط، بل شهادة جديدة على أن الصراع الحقيقي يدور حول الإنسان المتجذر في أرضه، وأن اقتلاع الجذور الزراعية ليس سوى محاولة لاقتلاع الجذور الوطنية التي لا تزال، رغم كل شيء، أكثر رسوخًا من النار والحديد. 

 

المصدر: الأخبار 

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
متفرقات
مجتمع
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
بيانات
مقالات صحفية مختارة
تشريعات
منصة إكس
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
صدى النقابات
لبنان بلا دستور
دراسات وابحاث
الأجندة
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 

يمكنكم الدخول إلى قناة اليوتيوب

لاتحاد الوفاء بالضغط على الأيقونة أدناه

     

 
Developed by Hadeel.net