١١ آب ٢٠٢٦ 
منذ الانهيار الاقتصادي في منتصف 2019، لم تتعامل السلطة مع أجور القطاع العام وفق معيار موحّد، بل عملت، كالعادة، على فتح باب «التصحيحات» الفئوية والزبائنية: مخصّصات بآلاف الدولارات لرؤساء وأعضاء الهيئات الناظمة، ثم للمجالس التي تدير المؤسّسات والمشاريع الكبرى، وصولاً إلى زيادة التقديمات الاجتماعية للنواب... وبقي الآخرون على لائحة الانتظار، وهم يتشكّلون من عشرات آلاف الموظفين والأساتذة والعسكريين والمتقاعدين الذين يخوضون معركة للحصول على ستة رواتب إضافية لا تعيد سوى جزء ضئيل من قيمة أجورهم وتسديدها مُقسّطة. الأجر في الدولة لا يقع ضمن السياسات العامة، بل أصبح امتيازاً يتحدّد بقدرة كل فئة على الوصول إلى أحد مركز القرار. بدأ مسار المخصّصات الشهرية المرتفعة للهيئات الناظمة في السابع من أيار 2025، مع صدور المرسوم الرقم 275 الذي عدّل التعويض الشهري المقطوع لرئيس الهيئة المنظّمة للاتصالات وأعضائها. وحدّد المرسوم تعويض الرئيس بـ716 مليون ليرة شهرياً، أي ثمانية آلاف دولار، وتعويض كل عضو بـ626.5 مليون ليرة، أي سبعة آلاف دولار، على أساس سعر صرف يبلغ 89,500 ليرة للدولار. ونُشر المرسوم في العدد 21 من الجريدة الرسمية بتاريخ 15 أيار 2025، قبل تعيين أعضاء الهيئة الجديدة بنحو أربعة أشهر. وفي 16 حزيران 2025، وافق مجلس الوزراء على مشاريع مراسيم مماثلة لهيئات ومجالس أخرى. فصدر في 25 حزيران المرسوم الرقم 564 الذي حدّد تعويض رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للطيران المدني بـ716 مليون ليرة شهرياً، وتعويض كل عضو بـ626.5 مليوناً. وبعد يومين، صدر المرسوم الرقم 581 مُحدِّداً القيمتين نفسيهما لرئيس وأعضاء الهيئة الوطنية لتنظيم قطاع الكهرباء. ونُشر المرسومان في العدد 29 من الجريدة الرسمية بتاريخ الثالث من تموز. وفي 27 حزيران أيضاً، صدر المرسوم الرقم 577 مُعدِّلاً مخصّصات رئيس وأعضاء مجلس إدارة مجلس الإنماء والإعمار، لتصبح 805.5 ملايين ليرة شهرياً للرئيس، أي تسعة آلاف دولار، و626.5 مليوناً للعضو المتفرّغ، أي سبعة آلاف دولار، و134.25 مليوناً للعضو غير المتفرّغ، أي 1500 دولار. ونصّ المرسوم على أن هذه المخصّصات تشمل الإضافات الناتجة من المرسومين المتعلقين بتعديل تعويضات جلسات مجالس إدارة المؤسسات العامة. وكان المرسوم الرقم 13633 الصادر في 10 تموز 2024، والمنشور في العدد 29 من الجريدة الرسمية بتاريخ 18 تموز، قد عدّل تعويضات حضور جلسات رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المؤسسات العامة. ثم صدر المرسوم الرقم 14352 في الخامس من كانون الأول من العام نفسه، ونُشر في العدد 50 بتاريخ 12 كانون الأول، لتوضيح المادة الأولى من المرسوم السابق. وبذلك، لم يقتصر مسار المعالجة على الهيئات الناظمة الجديدة، بل شمل أيضاً بدلات مجالس إدارة المؤسسات العامة، بالتوازي مع رفع مخصّصات مجلس الإنماء والإعمار المشرف على عدد من أكبر المشاريع المموّلة من الخزينة والقروض والهبات الخارجية. وبرّرت الحكومة هذه الأرقام بالحاجة إلى استقطاب أصحاب الكفاءات وضمان استقلال الهيئات التي ستتولى تنظيم قطاعات حساسة والإشراف على العقود والمال العام. إلا أن هذا التبرير أنتج مفارقة يصعب الدفاع عنها: صار من يراقب الإدارة يتقاضى أضعاف ما يتقاضاه المدير العام المسؤول عن تشغيلها، فيما بقي الموظفون الذين تقوم عليهم أعمال الوزارات والمؤسسات والمدارس الرسمية أسرى رواتب فقدت معظم قيمتها. إذا كانت هذه المناصب تستدعي، بحسب منطق الحكومة، تعويضات مرتفعة تضمن استقلال أصحابها وتحميهم من الإغراءات، فإن المفارقة تصبح أكثر فجاجة عند الانتقال إلى النواب، الذين يُفترض أنهم يمثّلون الشعب ويعبّرون عن مصالحه، لا أن ينفصلوا عنه بسُلم مخصّصات خاص. فلماذا لم يرَ هؤلاء ضرورة في تمثيل اللبنانيين أيضاً في معركة الرواتب، والمطالبة بتصحيح أجور الموظفين الذين فقدت مداخيلهم معظم قيمتها؟ ولماذا تحرّكوا سريعاً عندما مسّ التفاوت مخصّصاتهم هم، ولا سيما أن عدداً كبيراً منهم لا يعتمد حصراً على التعويض النيابي، بل يملك أعمالاً وشركات ومشاريع ومصادر دخل خاصة؟ بحسب معلومات «الأخبار»، فقد بادر عدد من النواب إلى تشكيل وفد زار رئيس مجلس النواب نبيه بري لمطالبته بزيادة المخصّصات بعدما أصبح ما يتقاضونه أدنى من تعويضات رؤساء وأعضاء الهيئات الناظمة والرقابية. وافق برّي على المبدأ، وتقرّر أن يكون الإخراج لا على أساس تعديل قانوني لمخصّصات النواب، بل على أساس تحويل جزء من موازنة مجلس النواب إلى صندوق التعويضات. هكذا اتُّخذ القرار في هيئة مكتب المجلس النيابي قبل بضعة أشهر وقضى بزيادة التقديمات الاجتماعية الممنوحة للنواب استناداً إلى اعتماد موجود أصلاً في موازنة مجلس النواب من دون فتح اعتماد إضافي ومن دون اللجوء إلى استصدار مرسوم في مجلس الوزراء. وإدراج الزيادة تحت بند «التقديمات الاجتماعية» لا يغيّر أثرها الفعلي، وخصوصاً إذا كانت تُدفع شهرياً وبانتظام. فقد رفعت مجموع ما يتقاضاه النائب، وفق تقديرات مصادر متابعة، إلى ما بين أربعة وخمسة آلاف دولار شهرياً. في المقابل، لم تُظهِر الدولة المرونة نفسها تجاه موظفيها. ففي 16 شباط 2026، أقرّ مجلس الوزراء إعطاء العاملين في القطاع العام ستة رواتب إضافية، على أن يبدأ احتسابها في الأول من آذار. ولاحقاً، فُتح اعتماد بقيمة 56,500 مليار ليرة لتمويل الزيادة بمفعول يعود إلى ذلك التاريخ. غير أنها لم تُدمج في أساس الراتب ولم تدخل في احتساب تعويض نهاية الخدمة، ولم تشكّل بداية لتصحيح فعلي لسلسلة الرتب والرواتب، بل بقيت زيادة مؤقتة لا تتجاوز قيمتها لدى عدد كبير من الموظفين بضع مئات من الدولارات. ورغم ضآلة الزيادة مقارنةً بما أُقرّ لرؤساء وأعضاء الهيئات والمجالس، لم يحصل عليها الموظفون من دون معركة. فبدلاً من دفع المستحقات المتراكمة، طرحت وزارة المالية تقسيطها، ما دفع روابط موظفي الإدارة العامة والأساتذة وسائر العاملين إلى الاعتراض والتحرك. كما اصطدمت محاولة تمديد الدفع إلى ما بعد نهاية عام 2026 برأي مجلس شورى الدولة الذي شدّد على وجوب تنفيذ الاعتماد ضمن سنة الموازنة نفسها. وهكذا، وجد الموظفون أنفسهم يفاوضون حتى على عدد الأقساط التي ستُدفع فيها زيادة أُقرّت لهم أصلاً. فمتوسط ما سيحصل عليه الموظف من مستحقاته المتراكمة لا يتجاوز نحو 1200 دولار، ومع ذلك تسعى السلطة إلى تقسيطه على 12 شهراً، أي بما يعادل نحو 100 دولار شهرياً. هنا تبلغ السريالية ذروتها: منح رئيس هيئة ثمانية آلاف دولار وعضوها سبعة آلاف شهرياً لم يحتج إلى كل هذا الأخذ والرد، فيما تحوّلت إضافة مئة دولار إلى دخل الموظف إلى أزمة تمويل وتشريع، ومصدر خطر نقدي على المالية العامة وفق الخطاب الرسمي. بهذه السياسة، لا تعيد السلطة بناء القطاع العام، بل تعيد ترتيب الامتيازات داخله. من يمتلك القدرة على الوصول إلى مجلس الوزراء أو رئاسة مجلس النواب يحصل على «تصحيح» خاص وسريع، فيما يُطلب من عشرات آلاف الموظفين الانتظار والقبول بالتقسيط، إلى أن يتحسّن وضع الدولة النقدي. هكذا يتحوّل الأجر من حق تحكمه سياسة عامة إلى نتيجة مباشرة لموقع كل فئة داخل هرم النفوذ. رواتب مرتفعة لحراس الخصخصة منذ إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، كرّست الدولة منطق التصحيحات الفئوية بدلاً من اعتماد سياسة موحّدة للأجور تحفظ التوازن داخل القطاع العام. فاستفاد القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية أولاً من زيادات وترتيبات خاصة، ثم راحت بقية الفئات تنتزع حقوقها تباعاً، كلٌّ وفق قدرتها على الضغط. وبدلاً من سلّم أجور يعكس المسؤوليات والكفاءات، نشأت داخل الدولة سلالم متوازية، تتقدّم فيها الفئات الأقوى نفوذاً وتتراجع الإدارات التي تقوم عليها استمرارية المرافق العامة. أمّا اليوم، فتتصدّر الهيئات الناظمة سلّم التعويضات، بالتزامن مع توجّه السلطة إلى إعادة هيكلة قطاعات أساسية، وفي مقدّمها الكهرباء والاتصالات، وفتحها أمام الشركات الخاصة. فهذه الهيئات لن تكون تفصيلاً إدارياً في المرحلة المقبلة، بل الجهاز الذي سيضع قواعد الخصخصة، وينظّم دخول الشركات، ويمنح التراخيص، ويراقب العقود والتعرفات والمشغّلين. لذلك، يصعب فصل مخصّصاتها المرتفعة عن الدور الذي يجري إعدادها لأدائه. فالدولة التي تقول إنها عاجزة عن تصحيح رواتب موظفيها تجد الموارد لتجهيز الهيئات التي ستشرف على نقل تشغيل قطاعاتها ومشاريعها إلى القطاع الخاص. هكذا تُرفع أجور من سيواكبون الخصخصة، فيما يُترك الموظفون الذين راكموا الخبرة داخل الإدارات والمؤسسات العامة لمواجهة الانهيار والتسرّب الوظيفي. راتب رئيس الهيئة يتجاوز 3 أضعاف راتب المدير العام بحسب مشروع مجلس الخدمة المدنية لتعديل رواتب موظفي القطاع العام، يراوح راتب موظف في الفئة الأولى، وهم المديرون العامون والقضاة، بعد مضاعفته 46 مرّة، من 207 ملايين إلى 417.9 مليون ليرة شهرياً عام 2030، أي بين 2313 و4669 دولاراً. في المقابل، يتقاضى رئيس الهيئة الناظمة حالياً 716 مليون ليرة، أي ثمانية آلاف دولار. وهذا يعني أن تعويضه يوازي ما بين 1.7 و3.5 راتب القاضي أو المدير العام، حتى بعد اكتمال التصحيح المُقترح لرواتب الموظفين. لكن المفارقة لا تقتصر على الأرقام، بل تشمل طبيعة المسؤوليات أيضاً. فالمدير العام هو رأس الجهاز التنفيذي في الوزارة وهو الذي تقع عليه المهام الأساسية والتي تضمن استمرارية المرفق العام. أمّا رئيس الهيئة، فدوره تنظيمي ورقابي، هذا إن قام بدوره، فهو الذي يضع القواعد ويراقب العقود والمشغّلين، من دون أن يتولى الإدارة التشغيلية اليومية للقطاع. ومع ذلك، يتقاضى ما يصل إلى ثلاثة أضعاف ونصف ضعف راتب المدير العام الذي تقع عليه فعلياً مسؤولية تشغيل الإدارة. المصدر: الأخبار |