١٢ آب ٢٠٢٦ 
لم يسبق لمجلس النواب أن شهد جلسة تشريعية كجلسة الأمس، بهذا القدر من التداخل بين المصالح السياسية والمصالح الخاصة، وباستقتال علني لاسترضاء أصحاب مؤسسات إعلامية نافذة، إلى حدّ بدت معه أن بعض التعديلات التشريعية تُفصَّل لحماية مصالحهم، مقابل ضمان امتيازات بعض المسؤولين وموقعهم داخل منظومة النفوذ الإعلامي والسياسي. فما إن طُرح البند الثاني من جدول الأعمال حتى انكشفت المفاجأة: نسخة جديدة من قانون الإعلام، مختلفة عن النص الذي أقرّته اللجان وأحالته إلى الهيئة العامة، من دون أن يكون معظم النواب قد ناقشوا التعديلات الواردة فيها. ففيما كان التوافق النيابي، وفق ما أُعلن، يقضي بإقرار القانون كما أقرّته اللجان، مع تعديل واحد يتمثل في حذف المادة 104 التي تعاقب من يتعمد «اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة والمؤذية» بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى الغرامة، فوجئ النواب بتوزيع نسخة تتضمن 23 تعديلاً إضافياً لم تُناقش معهم ولم يطّلعوا عليها مسبقاً. ورغم ذلك، باشر نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب تلاوة التعديلات، ليتبيّن أن بينها ما هو جوهري، ويتصل مباشرة بمهنية الإعلام ومصادر تمويله. ومن بين التعديلات التي أثارت علامات استفهام، حذف المادة التي تمنع المؤسسات الإعلامية من الحصول على امتيازات أو التزامات أو عقود مع الدولة والمؤسسات الرسمية والبلديات. وهنا بدأ الهمس في القاعة عن ضغوط مارستها بعض المحطات التلفزيونية لإلغاء هذا القيد، لحماية عقودها المالية مع بعض البلديات والوزراء والمؤسسات، لتبييض صفحة الممول والتسويق له أو في شن حملات على خصومه. وتأكد ذلك مع زلة لسان من وزير الإعلام بول مرقص في أثناء قراءته الفقرة التي حُذفت والمتعلقة بصلاحية الهيئة الوطنية للإعلام في التدخل في محتوى البرامج، إذ قال إن المادة أثارت «حفيظة بعض المؤسسات الإعلامية، ولذلك قررنا إلغاءها»! واستدعى ذلك رداً من النائب جميل السيد، الذي وصف كلام مرقص بأنه «معيب»، لا سيما أنه صادر عن وزير الإعلام، مشيراً إلى أن اللجان النيابية عملت بجهد لفصل الإعلام عن المصالح الخاصة، مشيراً إلى أن إدخال أكثر من عشرين تعديلاً على قانون في اللحظة الأخيرة يتعارض مع أصول التشريع. وأيده في ذلك عدد من النواب، وتم الاتفاق على دراسة التعديلات خلال مدة الاستراحة والعودة إلى مناقشتها. وهنا برز الانقسام. فبعض النواب، ولا سيما من «القوات اللبنانية» و«الكتائب» والتغييريين، اعتبروا التعديلات الإضافية غير جوهرية وأصروا على إقرار القانون فوراً، فيما رأت كتل أخرى، بينها التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل، أن التعديلات تمس جوهر القانون وأصول التشريع، ولا يمكن تمريرها من دون نقاش. فوجئ النواب بنسخة جديدة من القانون مختلفة عن النص الذي أقرّته اللجان وأحالته إلى الهيئة العامة وانسحب الانقسام الحاد على تركيبة «الهيئة الوطنية للإعلام». فقد أصرّ النائب إبراهيم الموسوي على أن يكون تعيين أعضائها مناصفة، بحيث يعيّن مجلس الوزراء خمسة أعضاء ومجلس النواب خمسة، بدلاً من الصيغة المطروحة التي تحظى بدعم «القوات» والتغييريين، وتمنح الهيئات والنقابات حق اختيار ستة أعضاء، فيما تعيّن الحكومة أربعة، انطلاقاً من مبدأ «إبعاد السياسة عن الهيئة». إلا أن الموسوي رفض «التلطي خلف الاستقلالية»، سائلاً: «أليست النقابات جزءاً من السياسة وتعمل من منطلقات سياسية؟». وفي المقابل، أكد الموسوي أن كتلة «الوفاء للمقاومة» تؤيد القانون، بوصفه حصيلة عمل استمر 16 عاماً بالتنسيق مع اليونسكو، كما تؤيد حذف المادة 104، معتبراً أنها تتيح «للدولة البوليسية» النفاذ عبر التعاطي باستنسابية مع الصحافي وفقاً لأهوائها. فيما اعتبر النائب حسين الحاج حسن أن «جورج سوروس غير بعيد عن التدخل بتشكيل الهيئة الوطنية»، معتبراً أن هناك توجهاً إلى تشريع البلد على «لامركزية الدولة» عبر التشكيك بأهلية السلطتين التشريعية والتنفيذية. وبعدما كان الاتجاه في بداية الجلسة إلى إقرار القانون كما جاء من اللجان المشتركة، مع إدخال تعديل واحد توافقت عليه الغالبية، هو حذف المادة 104. إلا أن إدخال وزير الإعلام وبعض النواب تعديلات إضافية، وطرح نسخة جديدة من القانون، أضاع النقاش وحال دون حذف المادة التي تجرّم الصحافي جزائياً. وفي النهاية، حسم رئيس مجلس النواب نبيه بري الأمر بطرح القانون للتصويت بمادة واحدة، وفق الصيغة التي جاءت من اللجان، ومن دون أي تعديل. فأُقرّ القانون كما هو، وبقيت المادة 104 في النص، ما يفتح الباب أمام استخدام القانون في ملاحقة أي صحافي يزعج السلطة السياسية، عبر عبارات فضفاضة وحمّالة أوجه من قبيل «اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة والمؤذية»، من دون ربطها بمعايير واضحة ودقيقة تحدد ماهية الجرم وحدوده. وهو ما يترك هامشاً واسعاً للتفسير والاستنساب، ويعيد إلى الواجهة هاجس استخدام العقوبات الجزائية كأداة لتطويع العمل الصحافي. وعلى الأثر، أعلن نقيب محرري الصحافة جوزيف القصيفي تحفظ النقابة عن بعض البنود الواردة في القانون، وقال لـ«الأخبار» إن نقابتي الصحافة والمحررين ستعقدان مؤتمراً عند الحادية عشرة من صباح اليوم للحديث عن «القانون المجزرة». المصدر: الأخبار |