الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مقالات صحفية مختارة > خبز الفقراء على صفيح الغلاء... من يدفع فاتورة الانهيار؟

٤ أيلول ٢٠٢٦

كتب عماد ياغي

 

إنه لبنان... بلدٌ صار فيه الرغيف يدفع ثمن السياسات الاقتصادية.

الخبز يغلو، والدخل يتآكل، والفقير يدفع الفاتورة.

ربطةٌ ترتفع... ومائدةٌ تنكمش.

وحين تعجز الدولة عن حماية الرغيف، يصبح الجوع نتيجة سياسة.

هناك سلع يمكن للبناني أن يؤجل شراءها، وأخرى يستطيع الاستغناء عنها، وثالثة يمكنه البحث عن بديل أرخص لها. لكن الخبز ليس واحداً منها. ربطة الخبز ليست مجرد منتج على رف أحد المتاجر، بل هي آخر ما تتمسك به العائلة عندما تضيق الخيارات، وأبسط مكوّن على مائدة الفقراء، ولذلك فإن أي ارتفاع في سعرها لا يُقاس فقط بعدد آلاف الليرات التي تُضاف إلى ثمنها، بل بما يعنيه ذلك من تراجع إضافي في قدرة الناس على تأمين غذائهم اليومي.

 

اليوم، يعود شبح رفع سعر ربطة الخبز ليطرق أبواب اللبنانيين بقوة. تحذيرات من زيادة قد تصل إلى خمسة آلاف ليرة، وسط ارتفاع كلفة القمح والمحروقات وسائر مستلزمات الإنتاج، تضع الرغيف مجدداً في قلب الأزمة المعيشية. وبينما تتحدث الأفران عن كلفة إنتاج لم تعد تحتمل، ينظر المواطن إلى جيبه ويسأل سؤالاً بسيطاً لكنه قاسٍ: إذا كان الخبز سيرتفع مجدداً، فماذا بقي من السلع الأساسية التي يستطيع الفقير تحمّل أسعارها؟

 

المشكلة ليست في ربطة الخبز وحدها، بل في الاقتصاد الذي يقف خلفها.

 

فالخبز يبدأ من القمح، والقمح يحتاج إلى استيراد ونقل وتأمين وموانئ وتمويل، ثم يتحول إلى طحين، والطحين يدخل إلى الأفران التي تحتاج إلى المازوت والكهرباء والعمال والنقل والنايلون والتغليف والصيانة. كل حلقة في هذه السلسلة تحمل كلفة، وعندما ترتفع كلفة أي حلقة، يدفع المستهلك في النهاية.

 

لكن المواطن اللبناني لم يعد قادراً على استيعاب هذه الزيادات المتتالية. دخله لا يتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها أسعار المحروقات والنقل والغذاء. الراتب قد يبقى على حاله، بينما ربطة الخبز تتحرك صعوداً، وسعر المازوت يتحرك صعوداً، وكلفة النقل تتحرك صعوداً، ثم تلحق بها أسعار المواد الغذائية والخدمات. وهكذا يصبح ارتفاع سعر الخبز حلقة جديدة في سلسلة تضييق الخناق على الأسر.

 

وما يزيد القلق أن المحروقات تشكل، وفق ما أُعلن، نحو 22 في المئة من كلفة إنتاج الخبز. وهذا يعني أن كل اضطراب في سوق الطاقة ينتقل سريعاً إلى الرغيف. لكن السؤال الاقتصادي الذي لا يجوز الهروب منه هو: لماذا يتحمل المواطن اللبناني دائماً النتيجة النهائية لكل ارتفاع، بينما لا يلمس بالسرعة نفسها أي انخفاض عندما تتراجع بعض الأكلاف؟

 

والمعروف أن كلفة إنتاج الرغيف تخضع لمنصة تعتمدها وزارة الاقتصاد والتجارة، وأن التسعير يأخذ في الاعتبار أسعار الطحين والمازوت والنايلون والنقل وسائر المكونات، إضافة إلى سعر صرف الدولار. وهذه الآلية، من حيث المبدأ، تبدو منطقية، لأن سعر الخبز لا يمكن أن يكون منفصلاً عن كلفة إنتاجه.

 

لكن الاقتصاد لا يُدار بالأرقام وحدها.

 

هناك دائماً طرف ثالث في هذه المعادلة اسمه المواطن.

 

المواطن لا يملك منصة لتحديث راتبه كلما ارتفعت كلفة الإنتاج، ولا يستطيع أن يضيف تلقائياً خمسة آلاف ليرة إلى دخله يومياً عندما ترتفع ربطة الخبز. ولذلك فإن أي آلية تسعير لا تأخذ القدرة الشرائية للناس في الاعتبار تتحول، ولو من دون قصد، إلى آلية تنقل الأزمة من المنتج إلى المستهلك الأكثر ضعفاً.

 

هنا تحديداً تظهر مسؤولية الدولة.

 

ليس المطلوب أن تتحمل الأفران الخسائر إلى ما لا نهاية، فهذا أمر غير واقعي اقتصادياً، ولا يمكن مطالبة أي مؤسسة بالاستمرار في الإنتاج بخسارة. لكن في المقابل، ليس من العدل أن يتحول المواطن إلى صندوق لتعويض كل ارتفاع في كلفة التشغيل. المطلوب سياسة متكاملة تضمن استمرار إنتاج الخبز بسعر عادل، وتحمي الأفران من الانهيار، وتحمي المواطن في الوقت نفسه من أن يتحول الرغيف إلى سلعة باهظة.

 

فالخبز ليس مثل أي سلعة أخرى. عندما يرتفع سعر هاتف أو قطعة أثاث، يمكن للمستهلك تأجيل الشراء. أما عندما يرتفع سعر الخبز، فلا يستطيع الفقير أن يقول لعائلته: لن نشتريه هذا الشهر.

 

ولهذا فإن الحديث عن «ربطة الفقراء» ليس تعبيراً عاطفياً مبالغاً فيه، بل توصيف اقتصادي واجتماعي دقيق. كل زيادة في سعر الخبز تضرب أصحاب الدخل المحدود بصورة أكبر من أصحاب الدخول المرتفعة، لأن الغذاء الأساسي يشكل نسبة أكبر من إنفاق الأسر الفقيرة. وبالتالي فإن التضخم الغذائي ليس عادلاً في تأثيره؛ إنه يضرب الفقير بقوة أكبر.

 

ومن هنا تصبح قضية الخبز جزءاً من قضية العدالة الاجتماعية.

 

المفارقة أن لبنان يملك مخزوناً من القمح والطحين يكفي، وفق المعطيات المعلنة، لنحو ثلاثة أشهر، فيما تتواصل الجهود لتأمين مصادر وممرات استيراد جديدة تحسباً لأي اضطراب في الموانئ أو طرق الإمداد. وهذا أمر إيجابي من زاوية الأمن الغذائي، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم هشاشة النظام الغذائي اللبناني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد وعلى سلامة طرق التجارة العالمية.

 

مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب لم تعد أسماء جغرافية بعيدة عن حياة اللبناني. أي اضطراب في الملاحة يمكن أن يتحول إلى فاتورة على مائدة العائلة اللبنانية. ارتفاع التأمين، وزيادة كلفة الشحن، واضطراب الإمدادات، أو ارتفاع أسعار الطاقة، كلها تجد طريقها في النهاية إلى ربطة الخبز.

 

وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة: الاقتصاد اللبناني أصبح شديد الحساسية تجاه الأزمات الخارجية لأنه يفتقر إلى هوامش الحماية الداخلية. بلد يستورد حاجاته الأساسية، ويعتمد على الطاقة المستوردة، ويعاني ضعف الإنتاج المحلي، لا يستطيع أن يتعامل مع أي أزمة دولية وكأنها مجرد خبر على شاشات التلفزيون.

 

لكن المشكلة لا تتوقف عند الخارج.

 

هناك أسئلة داخلية يجب طرحها أيضاً حول كلفة الاستيراد، والنقل، والتخزين، والتوزيع، والرقابة، وهوامش الربح، ومدى انعكاس أي انخفاض في الأكلاف على السعر النهائي. فإذا كانت قاعدة التسعير تقول إن ارتفاع الكلفة يؤدي إلى ارتفاع سعر الخبز، فيجب أن تكون القاعدة نفسها واضحة عند انخفاض الكلفة: هل ينخفض السعر بالسرعة ذاتها؟

 

هذه الشفافية ضرورية لاستعادة ثقة المواطن.

 

فاللبناني الذي يسمع كل شهر تقريباً عن ارتفاع جديد في الأسعار أصبح يشك في كل فاتورة، ليس لأنه يرفض منطق الاقتصاد، بل لأنه فقد الثقة في قدرة المؤسسات على تفسير الأسعار وضبطها.

 

والأخطر من ذلك أن ارتفاع الخبز قد لا يتوقف عند حدود الرغيف. عندما ترتفع كلفة النقل والطاقة والخبز، تتأثر المطاعم والمخابز والمحال التجارية وسائر القطاعات التي تستخدم الخبز أو الطاقة أو النقل، ثم تنتقل الزيادة إلى سلع وخدمات أخرى. وهكذا يصبح ارتفاع ربطة الخبز جزءاً من موجة تضخمية أوسع.

 

في المقابل، لا يمكن تجاهل مسألة جودة الخبز. المواطن الذي يدفع أكثر يجب أن يحصل على منتج يحترم المعايير الصحية والغذائية. لا يجوز أن ترتفع الأسعار بينما تتراجع الجودة أو تختصر بعض الأفران مراحل الإنتاج على حساب النوعية. حماية المستهلك لا تعني مراقبة السعر فقط، بل تشمل الوزن والجودة والسلامة والالتزام بالمواصفات.

 

وهنا تبرز أهمية الرقابة الفعلية، لا الرقابة الموسمية. المواطن بحاجة إلى دولة تراقب السوق من القمح إلى الطحين، ومن الطحين إلى الفرن، ومن الفرن إلى نقطة البيع. كل حلقة يجب أن تكون قابلة للتدقيق، لأن أي خلل في واحدة منها يدفع ثمنه المستهلك.

 

في النهاية، لا يمكن تحميل الأفران وحدها مسؤولية أزمة لم تصنعها، كما لا يمكن تحميل المواطن وحده كلفة اقتصاد مأزوم. الحل الحقيقي يحتاج إلى سياسة غذائية واقتصادية تحمي الأمن الغذائي، وتدعم الإنتاج، وتضمن استقرار سلاسل الإمداد، وتراقب الأسعار، وتمنع الاحتكار، وتضع القدرة الشرائية للمواطن في صلب أي قرار يتعلق بالسلع الأساسية.

 

فالخبز ليس رقماً في جدول الأسعار.

 

إنه مؤشر على صحة الاقتصاد نفسه.

 

عندما ترتفع ربطة الخبز، فهذا يعني أن شيئاً ما ارتفع خلفها: المازوت، النقل، الاستيراد، التأمين، الدولار، التشغيل أو كلفة الإنتاج. لكن عندما ترتفع ربطة الخبز فيما تبقى مداخيل الناس عاجزة عن اللحاق بها، فإن المؤشر الأخطر يصبح واضحاً: الفقر يتوسع.

 

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل سترتفع ربطة الخبز خمسة آلاف ليرة الأسبوع المقبل؟

 

السؤال هو: كم عائلة لبنانية ستضطر إلى حذف شيء آخر من مائدتها حتى تتمكن من شراء الخبز؟

 

هذه هي الكلفة الحقيقية للزيادة.

 

فالخبز هو آخر ما يجب أن يصل إليه التضخم، وآخر ما يجب أن يصبح ضحية للأزمات، لأن المساس به لا يعني فقط زيادة سعر سلعة، بل يعني الاقتراب أكثر من الأمن الغذائي للفئات الأكثر هشاشة.

 

وعندما يصبح رغيف الفقير أغلى من قدرته على الدفع، لا تعود القضية قضية أفران أو طحين أو مازوت فقط.

 

تصبح القضية قضية دولة، واقتصاد، وعدالة اجتماعية.

 

وتصبح ربطة الخبز، ببساطة، مرآة لبلد يدفع الفقراء فيه ثمن كل شيء... حتى ثمن بقائهم على قيد المائدة.

 

المصدر: البناء

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
متفرقات
مجتمع
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
بيانات
مقالات صحفية مختارة
تشريعات
منصة إكس
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
صدى النقابات
لبنان بلا دستور
دراسات وابحاث
الأجندة
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 

يمكنكم الدخول إلى قناة اليوتيوب

لاتحاد الوفاء بالضغط على الأيقونة أدناه

     

 
Developed by Hadeel.net