الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مقالات صحفية مختارة > المولّدات تحكم والوزارة تتفرّج... كيف تحوّلت كهرباء لبنان إلى إمبراطورية تستنزف جيوب المواطنين؟

٦ أيلول ٢٠٢٦

كتب عماد ياغي 

 

لم تعد فاتورة المولّد الكهربائي في لبنان مجرد فاتورة شهرية يدفعها المواطن لقاء ساعات من التغذية، بل تحولت إلى واحدة من أكثر أدوات الاستنزاف المالي قسوة في حياة اللبنانيين. وبينما ترتفع الأسعار وتتبدل التسعيرات من شهر إلى آخر، يبدو أن وزارة الطاقة والمياه، المعنية مباشرة بتنظيم هذا القطاع، تقف في موقع المتفرج أكثر مما تظهر في موقع الجهة القادرة على ضبط الفوضى وحماية المستهلك.

 

المشكلة لم تعد في المولدات وحدها، ولا في أصحابها فقط، بل في منظومة كاملة نشأت وترعرعت تحت مظلة غياب الدولة. فحين تعجز الدولة عن تأمين الكهرباء، تفتح الباب أمام المولدات الخاصة كي تملأ الفراغ، وحين يتحول الحل المؤقت إلى واقع دائم، يصبح أصحاب المولدات قوة اقتصادية لا يمكن تجاهلها. والأسوأ أن المواطن هو من يدفع ثمن هذا التحول، فيما تبقى وزارة الطاقة أسيرة بيانات التسعيرة الشهرية، وكأن مهمتها تنتهي بمجرد الإعلان عن سعر الكيلوواط.

 

في آب، حددت وزارة الطاقة والمياه سعر الكيلوواط/ساعة بـ48,241 ليرة في المدن والتجمعات المكتظة والمناطق التي يقل ارتفاعها عن 700 متر، وبـ53,065 ليرة في القرى والمناطق المتباعدة أو المرتفعة، إضافة إلى البدلات الثابتة للاشتراكات. وقالت الوزارة إن التسعيرة احتُسبت استناداً إلى سعر وسطي لصفيحة المازوت بلغ نحو 2,415,495 ليرة، مع احتساب الأكلاف التشغيلية والصيانة والتهالك وسائر المصاريف، وهامش ربح لأصحاب المولدات.

 

لكن المواطن لا يعيش داخل جداول الوزارة، بل يعيش داخل فاتورة حقيقية تصل إلى منزله.

 

وهنا تحديداً يظهر الفارق بين الدولة على الورق والدولة في الواقع.

 

ما قيمة أن تعلن الوزارة تعرفة رسمية إذا كان بعض أصحاب المولدات لا يلتزمون بها؟ وما جدوى إلزامهم بتركيب العدادات إذا بقيت المخالفات تتكرر؟ وما معنى أن تحدد الدولة سعر الكيلوواط إذا كان المواطن يجد نفسه أمام بدلات ورسوم وفواتير لا تشبه في كثير من الأحيان ما أعلنته الوزارة؟

 

إن الوزارة التي تحدد السعر مطالبة بأن تكون حاضرة في السوق، لا أن تكتفي بإصدار جدول شهري. المواطن لا يحتاج إلى وزارة تجيد الحساب على الورق، بل إلى وزارة تستطيع التأكد من أن الرقم الذي حُسب في مكاتبها هو نفسه الرقم الذي يُدفع في الأحياء والقرى والبلدات.

 

وهنا تكمن إحدى أكبر ثغرات إدارة ملف المولدات: انفصال التسعيرة الرسمية عن الواقع الفعلي.

 

لقد أصبح المواطن أمام سوق كهربائية متعددة الأسعار. في منطقة يدفع مبلغاً معيناً، وفي منطقة أخرى مبلغاً مختلفاً، وفي منطقة ثالثة تُفرض عليه مقطوعية لا علاقة واضحة لها بحجم الاستهلاك، فيما يتحول العداد الذي يفترض أن يكون أداة للشفافية إلى تفصيل يمكن الالتفاف عليه في بعض الحالات.

 

وبدل أن تكون وزارة الطاقة رأس الحربة في تنظيم هذا القطاع، يبدو دورها في كثير من الأحيان محصوراً في إعلان التعرفة، فيما تُترك مهمة المواجهة اليومية مع المخالفين لوزارة الاقتصاد والأجهزة الأمنية والقضاء والبلديات.

 

وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: أين وزارة الطاقة عندما يدفع المواطن أكثر من التسعيرة الرسمية؟ ومن يحاسبها هي عندما تفشل آلية التنظيم التي وضعتها؟ ومن المسؤول عن التأكد من أن معادلة التسعير لا تتحول إلى غطاء يسمح بتحميل المواطن كلفة إضافية لا يعرف أساسها؟

 

لا يمكن لوزارة الطاقة أن تقول للمواطن إن التسعيرة رسمية ثم تنسحب من المشهد. فالوزارة ليست جهة حسابية فقط، بل الجهة القطاعية التي يفترض أن تضع قواعد واضحة وتراقب نتائجها وتراجعها وتضمن انسجامها مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

 

والأكثر إثارة للقلق أن الوزارة نفسها أقرت بالحاجة إلى تحديث المعادلة المعتمدة لتتناسب مع تقلبات أسعار الصرف والوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين ومتطلبات أصحاب المولدات. وهذا بحد ذاته اعتراف بأن المعادلة الحالية ليست بمنأى عن الحاجة إلى المراجعة.

 

لكن المواطن لا يستطيع انتظار معادلة جديدة كلما ارتفعت كلفة المعيشة.

 

راتبه لا يرتفع تلقائياً عندما يرتفع المازوت، ومدخوله لا يتضاعف عندما ترتفع كلفة التشغيل، وقدرته الشرائية لا تتلقى دعماً عندما ترتفع فاتورة الكهرباء. لماذا إذاً تنتقل كل التقلبات إلى جيبه بهذه السرعة، بينما يبقى دور الدولة بطيئاً ومتأخراً؟

 

المسألة الاقتصادية هنا شديدة الخطورة. ارتفاع فاتورة المولد لا يعني فقط أن الأسرة ستدفع مبلغاً أكبر للكهرباء. إنه يعني أن المطاعم والمتاجر والمصانع والمؤسسات ستدفع أكثر لتشغيل أعمالها، فتنتقل الكلفة إلى أسعار السلع والخدمات، ويجد المواطن نفسه أمام موجة جديدة من الغلاء. الكهرباء بذلك لا تعود مجرد خدمة، بل تصبح عاملاً إضافياً في إنتاج التضخم.

 

وفي الصيف، تتضاعف المأساة. ارتفاع درجات الحرارة يرفع الاستهلاك، وانخفاض التغذية الرسمية يزيد الاعتماد على المولدات، فيدفع المواطن من جهتين: سعر الكيلوواط يرتفع، وعدد الكيلوواطات المستهلكة يرتفع أيضاً.

 

إنها معادلة مثالية لاستنزاف الأسر.

 

والأخطر أن البديل ليس متاحاً للجميع. الطاقة الشمسية يمكن أن تخفف الاعتماد على المولدات، لكنها تحتاج إلى كلفة أولية لا تستطيع كل العائلات تحملها. وهكذا يصبح المواطن الفقير أكثر تعلقاً بالمولد، بينما يستطيع المواطن القادر مالياً أن يهرب جزئياً من هذا النظام عبر الطاقة البديلة.

 

أما وزارة الطاقة، فالمطلوب منها ألا تتعامل مع الطاقة الشمسية كخيار فردي فقط، بل كجزء من سياسة عامة تقلل اعتماد المواطنين على المولدات، وتخفف الضغط على فاتورة الكهرباء، وتعيد تدريجياً التوازن إلى قطاع فقد منذ سنوات بوصلته.

 

ومن الناحية القانونية، فإن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تكون الدولة قد وضعت قواعد واضحة ثم تعجز عن ضمان تطبيقها. تركيب العدادات ليس تفصيلاً تقنياً، بل أداة لحماية المستهلك من الفواتير الاعتباطية. والتسعيرة الرسمية ليست مجرد رقم إرشادي، بل جزء من التنظيم الإداري للنشاط. وإذا كانت وزارة الاقتصاد قد سطرت مئات محاضر الضبط بحق أصحاب المولدات، فهذا يعني أن الخلل ليس افتراضياً، بل موجود على الأرض.

 

لكن كثرة المحاضر لا تعني بالضرورة نجاح الرقابة.

 

النجاح الحقيقي هو أن يتراجع عدد المخالفات، وأن يعرف المواطن أنه يستطيع الاعتراض ويحصل على حقه، وأن يدرك صاحب المولد أن مخالفة التعرفة ستترتب عليها نتيجة حقيقية ومستدامة.

 

أما أن تتحول المخالفة إلى محضر، والمحضر إلى إجراء، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه، فهذه ليست رقابة، بل دورة بيروقراطية لا تحمي أحداً.

 

ليس المطلوب إعلان الحرب على أصحاب المولدات، ولا تجاهل كلفة المازوت والصيانة والعمالة والاستثمار. المطلوب هو تطبيق قاعدة بسيطة: من يمارس نشاطاً منظماً من الدولة عليه أن يلتزم بقواعد الدولة، ومن يتحمل كلفة حقيقية له الحق في احتسابها وفق آلية شفافة، والمواطن له الحق في معرفة ما الذي يدفعه ولماذا يدفعه.

 

أما أن تصبح كل أزمة إقليمية وكل ارتفاع في سعر النفط وكل اضطراب في سوق المحروقات مبرراً تلقائياً لرفع الفواتير، فذلك يفتح الباب أمام فوضى لا تنتهي.

 

لقد آن الأوان لوزارة الطاقة أن تخرج من منطق «إعلان التسعيرة» إلى منطق «إدارة القطاع». المطلوب منصة واضحة للشكاوى، وربط فعلي بين العداد والفاتورة، وتدقيق دوري في الفواتير، ونشر آليات الاحتساب بصورة مفهومة، وتنسيق حقيقي مع وزارة الاقتصاد والقضاء والبلديات، والأهم وضع خطة زمنية لتقليص الاعتماد على المولدات الخاصة بدلاً من التعامل معها كقدر أبدي.

 

فالوزارة لا تستطيع أن تقول إنها نجحت لأنها حددت سعر الكيلوواط، بينما المواطن يقول إنه يدفع أكثر مما يجب. ولا يمكن للدولة أن تطلب من الناس الالتزام بالقانون فيما يشعر المواطن أن القانون لا يحميه من الفوضى.

 

لقد تحولت المولدات الخاصة، بفعل سنوات من العجز الرسمي، من حل مؤقت إلى اقتصاد قائم بذاته. واليوم، بات هذا الاقتصاد يملك القدرة على التأثير في دخل الأسر والأسعار والإنتاج وحتى الاستقرار الاجتماعي. وهذا يعني أن تركه بلا رقابة فعالة لم يعد مجرد تقصير إداري، بل أصبح مشكلة اقتصادية واجتماعية وقانونية تمس حياة ملايين الناس.

 

المواطن اللبناني لا يريد معجزة. يريد كهرباء لا تسرق نصف راتبه، وعداداً يحسب استهلاكه بدقة، وفاتورة يمكن فهمها، ووزارة تقوم بدورها، وقانوناً يطبق على الجميع.

 

أما أن يبقى اللبناني عالقاً بين كهرباء دولة لا تكفي، ومولد خاص يفرض كلفته، ووزارة تكتفي بإعلان الأرقام، فهذه ليست سياسة طاقة.

 

هذه إدارة للأزمة بالحد الأدنى، فيما يدفع المواطن الحد الأقصى.

 

لقد آن الأوان لأن تتوقف وزارة الطاقة عن التعامل مع المولدات كأمر واقع لا يمكن تغييره. فإذا كانت الوزارة هي المرجعية في قطاع الطاقة، فعليها أن تكون حاضرة حيث تُدفع الفواتير، لا فقط حيث تُكتب التسعيرات. وإذا كانت الدولة عاجزة عن إنهاء هيمنة المولدات في المدى القريب، فعليها على الأقل أن تمنع تحول هذه الهيمنة إلى احتكار دائم.

 

فالكهرباء ليست منّة من صاحب مولّد، وليست امتيازاً لمن يملك القدرة على الدفع. إنها خدمة أساسية وحق للمواطن، والدولة مسؤولة عن تنظيمها وحماية الناس من استغلال حاجتهم إليها.

 

والسؤال اليوم لم يعد فقط: كم سيدفع اللبناني في فاتورة المولد؟

 

السؤال الذي يجب أن يُطرح على وزارة الطاقة هو: من يحمي المواطن عندما تتحول التسعيرة الرسمية إلى رقم على الورق، وتصبح الفاتورة الحقيقية خاضعة لقوة أصحاب المولدات؟

 

فالمولدات قد تكون فرضاً فرضته أزمة الكهرباء، لكن استمرار الفوضى فيها هو مسؤولية الدولة، ومسؤولية الوزارة التي يفترض أن تكون في مقدمة المشهد، لا في آخره.

 

المصدر: البناء

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
متفرقات
مجتمع
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
بيانات
مقالات صحفية مختارة
تشريعات
منصة إكس
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
صدى النقابات
لبنان بلا دستور
دراسات وابحاث
الأجندة
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 

يمكنكم الدخول إلى قناة اليوتيوب

لاتحاد الوفاء بالضغط على الأيقونة أدناه

     

 
Developed by Hadeel.net