الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

من الصحافة > لبنان أمام سؤال العمل الكبير: هل نُدرّب الإنسان ليتحمّل فشل الاقتصاد، أم نبني اقتصاداً يحفظ كرامة الإنسان؟

١٥ ت١ ٢٠٢٦

كتب عماد ياغي 

 

ليس السؤال الحقيقي في اقتصاد اليوم كم وظيفة يستطيع السوق أن يوفرها، ولا كم شهادة يحملها العامل، بل أيّ إنسان يريد الاقتصاد أن يصنعه، وأيّ حياة يستطيع العمل أن يضمنها له. فبين تدريب الإنسان ليتكيّف مع متطلبات السوق، وتطوير السوق ليحترم قدرات الإنسان وكرامته، تقع واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية إلحاحاً، ولا سيما في لبنان، حيث لم تعد أزمة العمل مرتبطة بندرة الفرص وحدها، بل أيضاً بتراجع قيمة العمل نفسه.

 

 لبنان: حين يتعب الإنسان ولا يتقدّم الاقتصاد

 

في لبنان، تبدو المفارقة واضحة: طاقات بشرية متعلمة، وشباب يمتلكون مهارات علمية وتقنية، وخبرات مهنية تراكمت على مدى سنوات، في مقابل اقتصاد يعجز عن استيعاب هذه الطاقات أو منحها الاستقرار الذي تستحقه. لذلك، لم تعد هجرة الكفاءات مجرد قرار فردي بحثاً عن راتب أفضل، بل أصبحت مؤشراً اقتصادياً على اختلال العلاقة بين ما ينتجه المجتمع من قدرات وما يستطيع اقتصاده توفيره من فرص.

 

لقد دفعت الأزمة المالية والاقتصادية، وتراجع القدرة الشرائية، واضطراب المؤسسات، أعداداً من العاملين إلى إعادة النظر في جدوى البقاء في وظائفهم. وفي حالات كثيرة، لم يعد السؤال: كيف أتطور مهنياً؟ بل: كيف أؤمّن احتياجات أسرتي؟ هنا تتراجع وظيفة العمل بوصفه طريقاً إلى الاستقرار الاجتماعي، ويتحوّل، لدى كثيرين، إلى محاولة يومية لملاحقة تكاليف الحياة.

 

في هذا الواقع، يصبح التدريب ضرورياً، لكنه لا يكفي. فما جدوى تأهيل شاب على مهنة حديثة إذا لم يجد مؤسسة قادرة على توظيفه؟ وما قيمة تطوير مهارات موظف إذا لم تنعكس الزيادة في إنتاجيته على أجره أو ظروف عمله؟ وما معنى أن نطالب العامل بالمرونة الدائمة، فيما تبقى الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتقاعدية دون مستوى احتياجاته؟

 

إن تدريب الإنسان من دون إصلاح البيئة الاقتصادية يشبه تجهيز سفينة بأحدث أدوات الملاحة، ثم تركها في ميناء لا يسمح لها بالإبحار.

 

 التدريب استثمار، لا وسيلة لتحميل العامل المسؤولية

 

لا شك في أن التحولات التكنولوجية والرقمية تفرض على العامل أن يتعلم باستمرار. فالمهارات التي كانت كافية بالأمس قد لا تكون كافية غداً، والوظائف تتغير بفعل الأتمتة والذكاء الاصطناعي وتبدّل أنماط الإنتاج. لكن الخطأ يبدأ عندما يُختزل الحل في مطالبة العامل وحده بالتأقلم، وكأن البطالة نتيجة نقص فردي في المهارات، لا نتيجة تفاعل معقّد بين التعليم والاستثمار والسياسات الاقتصادية واحتياجات السوق.

 

المقاربة الاقتصادية السليمة تضع التدريب ضمن منظومة متكاملة. على المؤسسات أن تحدد احتياجاتها الفعلية، وعلى الدولة أن تربط التعليم المهني والتقني بخطط التنمية، وعلى الجامعات ومراكز التدريب أن تفتح مسارات مرنة للتعلّم، وعلى أصحاب العمل أن يشاركوا في تمويل تطوير المهارات التي تحتاج إليها مؤسساتهم.

 

والأهم أن يكون التدريب مدخلاً إلى وظيفة أفضل، لا مجرد شهادة إضافية في ملف الباحث عن عمل. فنجاح البرامج التدريبية لا يُقاس بعدد المشاركين فيها، بل بمدى قدرتها على تمكينهم من الحصول على وظائف مستقرة، أو تحسين أجورهم، أو الانتقال إلى مهن أكثر إنتاجية وأماناً.

 

بهذا المعنى، لا ينبغي أن يصبح التدريب فاتورة يدفعها العامل كي يبقى مؤهلاً لسوق العمل، بل استثماراً مشتركاً في الإنسان وفي قدرة الاقتصاد على النمو.

 

 أيّ سوق عمل نريد للبنان؟

 

السوق الذي يحتاج إليه لبنان ليس سوقاً يطلب من الإنسان أن يتنازل عن صحته ووقته وأمنه الاجتماعي كي يحتفظ بوظيفته، بل سوقاً يستثمر في قدراته ويمنحه فرصة حقيقية للمساهمة في الإنتاج. فالاقتصاد لا يُقاس بحجم الأرباح وحدها، بل أيضاً بنوعية الوظائف التي يخلقها، وبمدى قدرة العامل على العيش من أجره، وبما يوفره من أمان في مواجهة المرض والبطالة والشيخوخة.

 

وهنا تبرز مسؤولية السياسات العامة. فالتدريب وحده لا يصنع اقتصاداً منتجاً إذا ظل الاستثمار محدوداً، والتمويل مكلفاً، والمؤسسات الصغيرة عاجزة عن التوسع، والقطاعات الإنتاجية تواجه صعوبات في الطاقة والتسويق والوصول إلى الأسواق. يحتاج لبنان إلى بيئة تسمح للمهارات بأن تتحول إلى مشاريع وفرص عمل، لا أن تبقى حبيسة الشهادات أو تتحول إلى رأسمال بشري تستفيد منه اقتصادات أخرى.

 

إن الجمع بين تطوير المهارات، ودعم المؤسسات، وتوسيع فرص العمل اللائق، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ليس ترفاً سياسياً أو اجتماعياً، بل ضرورة اقتصادية. فالتدريب من دون فرص عمل يولّد الإحباط، والاستثمار من دون عمالة مؤهلة يحدّ من الإنتاجية، والنمو من دون حماية اجتماعية قد يرفع المؤشرات الاقتصادية من دون أن ينعكس بالقدر نفسه على حياة الناس.

 

ومن هنا، ينبغي أن يتجه التدريب في لبنان نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة، مثل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والرعاية الصحية والخدمات المهنية. لكن تحديد هذه القطاعات لا يكفي؛ إذ يجب أن يترافق مع سياسات تمويل وتشغيل، وتطوير للتعليم المهني، وشراكات بين مراكز التدريب وأصحاب العمل والنقابات، مع مراعاة خصوصية المناطق اللبنانية واحتياجاتها.

 

فالتدريب الذي يناسب شاباً في بيروت قد لا يكون الأولوية نفسها لشاب في البقاع أو عكار أو الجنوب. وقد تكون المهارات الزراعية الحديثة، أو التصنيع الغذائي، أو إدارة المياه والري، أكثر ارتباطاً بفرص التنمية المحلية في بعض المناطق من برامج عامة لا تراعي طبيعة الاقتصاد فيها.

 

كرامة العامل ليست بنداً مؤجلاً في الموازنة

 

ثمة خطأ اقتصادي شائع في التعامل مع كرامة العامل وكأنها مطلب اجتماعي يمكن تأجيله . والحقيقة أن ظروف العمل اللائقة جزء من القدرة الإنتاجية نفسها. فالعامل الذي يعيش تحت ضغط انعدام الاستقرار، ولا يعرف إن كان أجره سيكفي احتياجات أسرته، يعمل في بيئة تستنزف طاقته وتحدّ من قدرته على التطور.

 

ولا تعني كرامة العمل ضمان وظيفة واحدة مدى الحياة، ولا إعفاء العامل من مسؤولية تطوير نفسه. بل تعني أن تكون المنافسة عادلة، وأن تتوافر فرص متكافئة للتعلم والترقي، وأن تُحترم الحقوق الأساسية، وأن تتناسب الأجور وظروف العمل مع طبيعة الوظيفة والإنتاجية، ضمن إطار يحمي العامل والمؤسسة معاً.

 

وفي لبنان، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب اتساع نطاق العمل غير المنظم، والتفاوت في فرص الوصول إلى الحماية الاجتماعية، والضغوط التي تعرضت لها الأجور والمؤسسات خلال الأزمات المتلاحقة. لذلك، يجب أن يشمل تطوير سوق العمل توسيع مظلة الحماية، وتعزيز تطبيق قوانين العمل، وضمان ألا يتحول ضعف الخيارات المتاحة للعامل إلى وسيلة لفرض شروط عمل غير عادلة.

 

كما أن النقابات ليست طرفاً معترضاً على التطوير بطبيعته، بل يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في صياغته، عبر التفاوض على التدريب المستمر، وحماية العاملين من الآثار السلبية للتحولات التكنولوجية، وربط تحسين الإنتاجية بتحسين الأجور وشروط العمل.

 

 من يواكب الآخر؟

 

في النهاية، لا يحتاج لبنان إلى الاختيار بين تدريب الإنسان وإصلاح سوق العمل؛ فهو يحتاج إلى الاثنين معاً. لكن نقطة الانطلاق يجب أن تتغير: بدلاً من مطالبة الإنسان وحده بملاحقة اقتصاد لا يوفر له الاستقرار، ينبغي بناء اقتصاد يستطيع الاستفادة من مهاراته، ويحفّزه على التعلّم، ويمنحه سبباً للبقاء والمشاركة في تنمية بلده.

 

وهذا يتطلب الانتقال من منطق معالجة البطالة بعد وقوعها إلى منطق استباقها، ومن التدريب الذي ينتهي بتسليم شهادة إلى التدريب الذي يفتح مساراً مهنياً، ومن قياس النجاح بعدد الوظائف المعلنة إلى قياسه بجودة الوظائف واستدامتها وأثرها في مستوى المعيشة.

 

فليس المطلوب أن يتوقف الإنسان عن التكيف مع التغيير، بل ألا يتحول التكيف إلى عبء فردي دائم، بينما تبقى بنية الاقتصاد خارج المساءلة. وليس المطلوب أن تتخلى المؤسسات عن الكفاءة والربحية، بل أن يُبنى النجاح الاقتصادي على علاقة متوازنة بين الإنتاج والعائد والحقوق.

 

إن الاقتصاد الذي يطلب من الإنسان أن يتغير باستمرار، من دون أن يغيّر شروط العمل التي تستنزفه، يطوّر مهاراته لكنه لا يطوّر حياته. أما الاقتصاد الذي يستثمر في الإنسان ويحمي كرامته، فلا يصنع عاملاً أكثر كفاءة فحسب، بل يبني مجتمعاً أكثر قدرة على الصمود والنمو.

 

وهنا تكمن المسألة الأساسية في النموذج اللبناني: هل نريد اقتصاداً يصدّر كفاءاته لأنه لا يستطيع احتضانها، أم اقتصاداً يحوّل هذه الكفاءات إلى قوة إنتاجية داخل الوطن؟

 

إن الإجابة لا تُكتب في مناهج التدريب وحدها، بل في القرارات الاقتصادية، وسياسات التشغيل، والأجور، والحماية الاجتماعية، ونوعية الاستثمار. فالمهارة تفتح الباب، لكن الاقتصاد المنتج والعمل اللائق هما ما يسمحان للإنسان بالدخول والبقاء.

 

وفي المحصلة، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يواكب من؟ بل كيف نجعل تطور الإنسان وتطور الاقتصاد مساراً واحداً، بحيث لا يضطر العامل إلى الاختيار بين النجاح المهني والكرامة الإنسانية؟

 

فلبنان لا يحتاج إلى تدريب أبنائه كي يتقنوا فنّ التكيّف مع الأزمات إلى ما لا نهاية؛ بل يحتاج إلى اقتصاد يجعل من مهاراتهم فرصة للنهوض، ومن عملهم مصدراً للكرامة، ومن بقائهم في وطنهم خياراً ممكناً، لا حلماً مؤجلاً.

 

المصدر: البناء 

ملاحظة: المواد المنشورة في هذا الباب تمثل آراء كاتبيها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع.

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
متفرقات
مجتمع
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
بيانات
من الصحافة
تشريعات
منصة إكس
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
صدى النقابات
لبنان بلا دستور
دراسات وابحاث
الأجندة
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 

يمكنكم الدخول إلى قناة اليوتيوب

لاتحاد الوفاء بالضغط على الأيقونة أدناه

     

 
Developed by Hadeel.net