٢٠ آب ٢٠٢٦ 
سجّل الدين الفيدرالي للولايات المتحدة الأميركية مستوىً قياسياً بلغ 40 تريليون دولار، وفق ما أعلنته وزارة الخزانة الأميركية، في مؤشر غير مُبشّر يضع البلاد في دوامة ديون متزايدة العمق ستنعكس تداعياتها المباشرة على الأميركيين والشركات والحكومة لسنوات مقبلة. وعلى الرغم من أنّ أميركا تعاني منذ فترة طويلة من ديون كبيرة، إلّا أنّ الخبراء في الميزانية والأسواق المالية يُبدون قلقاً إزاء اتجاهات حديثة، حيث تزايدت الديون بوتيرة أسرع خلال السنوات الأخيرة، وارتفعت مدفوعات الفائدة بشكل كبير بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف الاقتراض، وكلّ هذا يحدث في ظلّ ظروف اقتصادية جيدة نسبياً. وفي هذا السياق، أكّد مايكل بيترسون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "بيتر جي. بيترسون" الرقابية المالية، أنه "على المسار الحالي، سنصل إلى 50 تريليون دولار في غضون 6 سنوات فقط، بعدما كنا عند مستوى 20 تريليون دولار قبل أقلّ من 10 سنوات"، محذراً من أنّ هذا المسار يعرّض الاقتصاد ومستقبل البلاد للخطر. عوامل متداخلة تفاقم أزمة الديون الفيدرالية وتعود هذه الأزمة إلى عوامل متداخلة، في مقدّمتها شيخوخة السكان مع تقاعد نحو 10 آلاف شخص يومياً من جيل "طفرة المواليد" وازدياد متوسط الأعمار، ما يحمّل الحكومة الفيدرالية مبالغ متزايدة على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، في ظلّ وضع مالي هشّ لهذه البرامج ونقص في العمالة اللازمة لدعم المستفيدين. إلى جانب ذلك، أدّى إقرار الكونغرس قوانين متعدّدة خفضت الضرائب وزادت الإنفاق – مثل قانون خفض الضرائب والوظائف لعام 2017 وقانون "المشروع الواحد الكبير والجميل" لعام 2025 في عهد الرئيس دونالد ترامب، إضافة إلى العديد من مشاريع قوانين الإغاثة من جائحة كوفيد-19 في عهد ترامب والرئيس السابق جو بايدن – إلى زيادة الدين الفيدرالي بتريليونات الدولارات. وتحقّق حدّ الأربعين تريليون دولار بأسرع مما كان متوقّعاً، حيث كان مكتب الميزانية في الكونغرس يتوقّع في أيار/مايو 2023 تجاوز هذا الرقم بحلول السنة المالية 2028. ووفقاً لبيانات الخزانة، ارتفع الدين بمقدار تريليون دولار في الأشهر الخمسة الماضية فقط، في حين تراكم عجز الميزانية ليعادل 1.8 تريليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الحالية التي تنتهي في 30 أيلول/سبتمبر. انفجار كلفة الفوائد وضغوط متزايدة على الأسواق وقد تسبّب تراكم الديون وارتفاع أسعار الفائدة التي رفعها الاحتياطي الفيدرالي لمكافحة التضخّم، في انفجار مدفوعات الفائدة الحكومية المتوقّع أن تتجاوز تريليون دولار في السنة المالية الحالية. وأوضح مارك غولدواين، كبير مديري السياسات في "لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة"، أنّ هذه التكاليف تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال 5 سنوات لتصبح ثاني أكبر نفقات الحكومة بعد الضمان الاجتماعي متقاربة مع برنامج "Medicare"، ما يعني أنّ واشنطن باتت تنفق على خدمة الديون أكثر مما تنفقه على الدفاع الوطني وبنسبة 50% أكثر من برامج الأطفال، مما يخلق حلقة مفرغة تولّد فيها الديون المزيد من الديون. ورغم تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بأنّ البلاد تسير على "مسار مالي غير مستدام"، لم يبدِ الكونغرس رغبة جادة لمعالجة الاختلالات الماليّة، ما أدّى إلى تخفيض التصنيفات الائتمانية. وكان الجمهوريوّن قد رفعوا سقف الدين بمقدار 5 تريليونات دولار العام الماضي ضمن "القانون الشامل"، ما يؤجّل مواجهة سقف الدين حتى عام 2027 تقريباً. قفزة في عوائد السندات وانعكاسات مباشرة على المعيشة وامتدّت تداعيات الأزمة فوراً إلى سوق السندات، إذ بلغ عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً أعلى مستوى له منذ عام 2007، وتداول عائد سندات الـ 10 أعوام قرب أعلى مستوى له خلال ولاية ترامب الثانية. ومع زيادة المخاطر، يطالب المستثمرون بتعويضات أكبر لإقراض الحكومة، ما يرفع عوائد السندات ويؤدّي إلى تشديد الظروف المالية وارتفاع أسعار الفائدة على الرهون العقارية وقروض السيارات والأعمال، الأمر الذي يثقل كاهل المستهلكين ويحدّ من الاستثمارات. وفي هذا الصدد، قالت مايا ماكغينيس، رئيسة لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، إنّ "مبلغ 40 تريليون دولار يتجاوز سجلات الحكومة ليُحسّ به في كامل الاقتصاد وجيوب الناس"، مشيرة إلى أنّ التوسّع في الاقتراض يفاقم التضخّم ويزيد العجز أمام حالات الطوارئ والاضطرابات الخارجية. ورداً على هذه التطوّرات، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في الأشهر المقبلة كخطوة تعكس قلق إدارة ترامب من ارتفاع العائدات، ولا سيما بعد أن سجّل مزاد سندات الـ 30 عاماً أعلى عائد منذ عام 2001. يذكر أنّ وكالة "موديز" كانت قد خفّضت تصنيف ديون الولايات المتحدة في عام 2025 لتفقد آخر تصنيف ائتماني مثالي لها، رغم بقائها متقدّمة على اقتصادات كبرى مثل فرنسا واليابان. وتأتي هذه التطوّرات في وقت تواجه فيه حكومات أخرى في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان مشكلات مماثلة مع تداول عوائد سنداتها عند مستويات قياسية نتيجة قلق المستثمرين من الإنفاق والعجز. المصدر: الميادين |