١٩ ت١ ٢٠٢٦ 
تتسع رقعة الاحتجاجات الشعبية في عدد من الدول الأوروبية، على وقع تفاقم أزمة المعيشة وارتفاع أسعار السكن والإيجارات والطاقة، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية وتزايد الأعباء الاقتصادية على المواطنين، في موجة غضب متصاعدة تضع الحكومات أمام ضغوط اجتماعية وسياسية متزايدة، وتنذر بتحولات في المشهد الانتخابي الأوروبي. وتصدرت فرنسا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألبانيا مشهد التحركات الاحتجاجية، التي تنوعت بين الاعتصامات والمسيرات والإضرابات، وصولاً إلى مواجهات وأعمال شغب في بعض المناطق، وسط مطالب بتحسين الأجور والمعاشات، وحماية الخدمات العامة، وتأمين السكن اللائق، والحد من ارتفاع تكاليف المعيشة. أزمة السكن تشعل الشارع البرتغالي في العاصمة البرتغالية لشبونة، تحولت ساحة «روسيو» إلى بؤرة احتجاجية، بعدما نصب متظاهرون عشرات الخيام للمطالبة بخفض تكاليف السكن والمعيشة، فيما أمضى مئات المحتجين ليلتهم في الساحة، عقب مسيرات شارك فيها الآلاف بمناطق مختلفة من البلاد. وتأتي هذه التحركات في ظل الارتفاع الكبير في أسعار العقارات والإيجارات، إذ تشير بيانات رسمية إلى زيادة أسعار المساكن بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، ما فاقم الصعوبات التي تواجه الشباب والأسر ذات الدخل المحدود في امتلاك المنازل أو تحمل تكاليف استئجارها. وامتدت التحركات إلى مدينة بورتو، حيث نُصبت خيام مماثلة تعبيراً عن الغضب من أزمة السكن والمطالبة بتدخل حكومي يحد من ارتفاع التكاليف. وفي مواجهة هذه الضغوط، أبدى رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو تفهمه لمطالب المواطنين وحقهم في التعبير عن استيائهم من السياسات العامة. فرنسا في صدارة المواجهات وفي فرنسا، شهدت الاحتجاجات تصعيداً لافتاً، مع مشاركة أعداد كبيرة من المواطنين في تحركات مناهضة لغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، تخللتها أعمال عنف وحرائق ونهب في بعض المناطق. وترافقت هذه التحركات مع مطالب طلابية ونقابية بتحسين أوضاع التعليم، ورفض السياسات التقشفية التي طالت قطاعات حيوية، ولا سيما الصحة والتعليم، فيما أثارت المواجهات مخاوف من اتساع دائرة الاضطرابات مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي. إيطاليا وبلجيكا وألبانيا على خط الاحتجاجات وفي إيطاليا، شهدت مدينتا ميلانو وبولونيا تحركات احتجاجية تخللتها مواجهات بين الشرطة ومجموعات من المتظاهرين، وسط تقارير عن استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه وتوقيف عدد من المشاركين في أعمال شغب. وأكدت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن حق التظاهر مكفول، لكنها شددت على رفض أعمال التخريب وتحويل المدن إلى ساحات للمواجهات. أما في بلجيكا، فتركزت المطالب على الحد من التضخم وضبط أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في حين اتخذت الاحتجاجات في ألبانيا منحى سياسياً مباشراً، مع مطالبة متظاهرين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما وحكومته، على خلفية اتهامات بالفساد وسوء إدارة الأوضاع الاقتصادية. جيل الشباب في قلب الأزمة ولا تقتصر أسباب الاحتجاجات على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى تراجع فرص العمل، وتزايد البطالة، وصعوبة تأمين السكن، إلى جانب اتساع الفجوة بين الأجيال بشأن توزيع الموارد العامة والإنفاق الاجتماعي. ويرى خبراء اقتصاديون أن الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الموازنات وسياسات خفض الإنفاق العام تشكل عوامل مشتركة وراء موجة الغضب، التي يبرز فيها الشباب، ولا سيما جيل «زد»، باعتباره من أكثر الفئات تأثراً بتراجع الفرص الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة. ويحذر مراقبون من أن استمرار الأزمة قد يعيد رسم الخريطة السياسية الأوروبية، عبر إضعاف الأحزاب التقليدية وأحزاب الوسط، وفتح المجال أمام صعود قوى اليمين واليسار المتطرفين، في ظل تصاعد الاستياء الشعبي من أداء الحكومات. ومع تزامن هذه التحركات مع استحقاقات انتخابية مرتقبة في عدد من الدول، تتحول أزمة المعيشة إلى اختبار سياسي متزايد الصعوبة للسلطات الأوروبية، التي تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في احتواء الغضب الشعبي ومعالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تتسع الاحتجاجات وتتحول إلى أزمة سياسية أعمق. المصدر: اتحاد الوفاء/ وكالات |