٨ حزيران ٢٠٢٦ 
بجهود ذاتية تماما وبين ركام الحرب، يستمر المزارعون الفلسطينيون في استصلاح الأراضي الزراعية المجرفة جنوب غرب مدينة غزة، وتحديدا في منطقة الشيخ عجلين. وقد بقيت منطقة الشيخ عجلين لأكثر من عامين تحت سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي إبان إغلاق محور "نتساريم"، وتحولت من مساحات خضراء شاسعة إلى أكوام من السواتر الترابية وركام المنازل المهدمة، لكنها اليوم تشهد عودة جزئية للحياة بإرادة أصحابها. وفي تقرير أعده مراسل الجزيرة مباشر معاذ العمور، يصف المزارعون إنبات الأشجار المثمرة مثل التين والعنب بأنه "إنبات ضعيف" خاصة بعد أن دُفنت غالبية هذه الأشجار تحت الركام. لكنهم يصرون على استصلاح ما يقارب 50% من الأشجار القديمة كخيار إجباري في ظل انعدام الأشتال الجديدة، ورغبة منهم في الحفاظ على الرموز الخضراء التي كانت تميز منطقتهم قبل الحرب. تمثل هذه المساحات المستصلحة اليوم شريان الحياة الوحيد للعائلات والنازحين في منطقة الشيخ عجلين، التي تفتقر تماما للأسواق والمحال التجارية والوظائف. ويصف المزارع أبو محمد حجم التحدي المادي والجسدي الذي واجهه في بداية الطريق قائلا: "وجدت الأرض عند عودتي عبارة عن أكوام من الحديد والحجارة والجور (الحفر)، وكان علينا دفع مبالغ طائلة للمعدات لإعادة تسويتها، حيث وصلت ساعة عمل الكباش (الجرافة) إلى نحو 500 دولار. وأمام هذا العجز المادي، يروي أبو محمد بمرارة وفخر تضحية عائلته إذ لم يكن أمامهم خيار سوى بيع ما تبقى من مصوغات وذهب زوجته لكي يتمكن هو وعائلته من العمل واستصلاح الأرض، ويستطرد المزارع الفلسطيني قائلا إن ما يقوم به كله يندرج تحت راية "الصمود في وجه الخراب". صعوبات وتحديات لم تكن إزالة الركام سوى الخطوة الأولى في رحلة شاقة، ويعكس التقرير حجم الجهود والصعوبات التقنية التي تلاحق المزارعين خاصة فيما يخص الري وتوفر مياه الزراعة. فقد جرف الاحتلال الآبار الارتوازية كليا، ولم تتجاوز جهود المزارعين الذاتية في استصلاح إلا نحو 5% من الآبار السابقة. كما يشكو المزارعون من الارتفاع الجنوني في أسعار المستلزمات الزراعية؛ فالمبيدات الحشرية شحيحة وأسعارها قفزت إلى عشرة أضعاف، حيث وصل سعر المبيد الذي كان يباع بـ 100 دولار إلى نحو 1000 دولار، فضلا عن الاعتماد على بذور يدوية غير هجينة تفتقر للجودة الإنتاجية العالية. وعلى الرغم من أن الأشجار المثمرة مثل التين والعنب كانت قد دُفنت تماما وتحولت إلى حطب تحت الأتربة، إلا أن المزارعين لم يستسلموا، حيث استعملوا "الطورية والكريك"، ليشرعوا في إزالة الركام عن الجذور المغمورة، وقاموا بقص الأغصان الميتة لتحفيز الأشجار على الإنبات من جديد. وتؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن المساحات المتاحة للزراعة انخفضت إلى أقل من 5% بعد الحرب، بينما أصبحت معظم الأراضي الزراعية مدمرة أو يتعذر الوصول إليها، وفق ما أعلنته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن إسرائيل دمرت أكثر من 94% من الأراضي الزراعية البالغة مساحتها نحو 178 ألف دونم، ما أدى إلى انهيار الإنتاج الزراعي من 405 آلاف طن سنويا إلى نحو 28 ألف طن فقط. وعلى مدى سنوات الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ عام 2007، واجه المزارعون قيودا متكررة على الوصول إلى الأراضي القريبة من السياج الفاصل، والتي شكلت تاريخيا جزءا مهما من السلة الغذائية للقطاع، قبل أن تتفاقم الأضرار خلال الحرب الحالية بفعل التجريف وتدمير البنية الزراعية. المصدر : الجزيرة |