٢٠ آب ٢٠٢٦ 
وثّقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تصاعدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدة أن هذه الاعتداءات تحولت بصورة متزايدة إلى أداة للتهجير القسري للفلسطينيين، في ظل دعم مالي وتسليحي وقانوني وحماية عسكرية توفرها السلطات الإسرائيلية للمستوطنين. وقالت المنظمة في تقرير نشرته الخميس، إن نحو 5900 فلسطيني هُجّروا، كليًا أو جزئيًا، من 107 قرى وبلدات وتجمعات فلسطينية منذ كانون الثاني/يناير 2023 نتيجة هجمات المستوطنين، في وقت يتواصل فيه التوسع الاستيطاني بوتيرة غير مسبوقة. وأشارت إلى أن عشرات التجمعات الفلسطينية باتت مهددة بالمحو، معتبرة أن ما يجري لا يمكن التعامل معه باعتباره سلسلة من الاعتداءات المنفصلة، بل يمثل نمطًا متكاملًا من العنف والضغط وخلق «بيئة قسرية» تدفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم ومنازلهم. هجمات متصاعدة وتهجير متسارع وبحسب معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، بلغ معدل الاعتداءات الاستيطانية التي أسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات 6.6 هجمات يوميًا، وهو أعلى معدل سنوي تسجله الوكالة. كما تجاوز عدد الفلسطينيين الذين هُجّروا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 بفعل اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والطرد العدد المسجل طوال عام 2025. وحتى 24 تموز/يوليو، وثقت «أوتشا» مقتل 15 فلسطينيًا، بينهم طفلان، على أيدي مستوطنين منذ بداية العام الحالي، ما يضع 2026 على مسار تجاوز الرقم القياسي السابق المسجل عام 2023، والبالغ 16 قتيلًا. ويضاف إلى ذلك نحو 32 ألف فلسطيني هجرهم الجيش الإسرائيلي من مخيمات الضفة الغربية في كانون الثاني/يناير 2025، ما أدى إلى تفريغ مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بصورة شبه كاملة. تمويل وتسليح وحماية رسمية وأكدت «هيومن رايتس ووتش» أن المستوطنين الذين ينفذون الاعتداءات يحصلون على دعم مباشر وغير مباشر من مؤسسات الدولة الإسرائيلية، يشمل التمويل والتسليح والحماية القانونية والعسكرية. وأشارت إلى تخصيص الحكومة الإسرائيلية، في آذار/مارس الماضي، نحو 50 مليون شيكل، أي قرابة 16 مليون دولار، للبؤر الاستيطانية غير القانونية، استخدم جزء منها لشراء مركبات رباعية الدفع ومعدات للرؤية الليلية وطائرات مسيّرة يستخدمها المستوطنون في مضايقة الفلسطينيين. كما ارتفعت ميزانية وزارة الاستيطان والمهام الوطنية بنسبة 122% خلال عهد الحكومة الحالية، فيما أشارت المنظمة إلى تراجع كبير في ملاحقة المستوطنين قضائيًا. وبحسب التقرير، انتهت نسبة ضئيلة جدًا من ملفات الاعتداءات التي وثقتها منظمة «يش دين» منذ عام 2005 بأحكام إدانة، فيما تراجع عدد الملفات التي فتحتها الشرطة ضد مستوطنين بتهمة الاعتداء على فلسطينيين بنسبة 70% منذ تولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي. طمس الحدود بين المستوطن والجيش ولفت التقرير إلى ما وصفه بـ«الطمس المتعمد» للحدود بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية. فعقب 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، استدعى الجيش الإسرائيلي آلاف المستوطنين من جنود الاحتياط في الضفة الغربية وألحقهم بما يسمى «كتائب الدفاع الإقليمي»، إلى جانب تشكيل فرق مدنية للاستجابة السريعة داخل المستوطنات ومنح أفرادها أسلحة وصلاحيات شرطية. كما أشارت المنظمة إلى تخفيف شروط الحصول على تراخيص السلاح، معتبرة أن هذه الإجراءات أسهمت في توسيع قدرة المستوطنين على تنفيذ اعتداءات مسلحة ضد الفلسطينيين. وقالت إن بعض الهجمات جرت بمشاركة جنود إسرائيليين أو بحضورهم، بينما وقف الجنود في بعض الحالات من دون التدخل لمنع الاعتداءات. توسع استيطاني متسارع وبالتوازي مع تصاعد العنف، يتواصل التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، وافقت الحكومة الإسرائيلية الحالية على إنشاء 104 مستوطنات جديدة، فيما أقام المستوطنون خلال ولايتها 248 بؤرة استيطانية جديدة، بينها 65 بؤرة منذ بداية عام 2026 وحتى الأول من آب/أغسطس. كما أُقرت خلال الحرب على إيران دفعة جديدة من المستوطنات، وصفتها تقارير إسرائيلية بأنها الأكبر في تاريخ المشروع الاستيطاني. وقالت منظمات إسرائيلية إن البؤر الاستيطانية باتت تسيطر فعليًا على أكثر من مليون دونم من أراضي الضفة الغربية. اعتداءات تستهدف مصادر الرزق لم تقتصر الاعتداءات، وفق التقرير، على السكان ومنازلهم، بل طالت مصادر رزقهم وأمنهم الغذائي. ووثقت المنظمة منع الفلسطينيين من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، وسرقة أو قتل المواشي، وحرق الحقول والمحاصيل وتدميرها، الأمر الذي اضطر عائلات إلى بيع مواشيها بخسائر أو إبقائها داخل المناطق السكنية وشراء الأعلاف لها. وتقول «هيومن رايتس ووتش» إن هذه الممارسات تسهم في خلق ظروف معيشية تجعل بقاء الفلسطينيين في أراضيهم أكثر صعوبة، وتدفعهم تدريجيًا إلى الرحيل. خربة حمصة: سرقة مئات رؤوس الماشية ومن بين الوقائع التي وثقها التقرير، هجوم تعرضت له خربة حمصة في الأغوار الشمالية في آذار/مارس الماضي، حيث هاجم عشرات المستوطنين تجمعًا فلسطينيًا يضم ست عائلات. وبحسب شهادات جمعتها المنظمة، تعرض السكان للاعتداء والتهديد، فيما سُرقت نحو 400 رأس من الماشية، إلى جانب تدمير خزانات مياه ومحولات كهرباء وألواح شمسية وممتلكات أخرى. وقالت المنظمة إن الشرطة والجيش الإسرائيليين وصلا بعد فترة من وقوع الهجوم، فيما واجهت طواقم الإسعاف الفلسطينية عراقيل في الوصول إلى المصابين. المعرجات: تهجير تجمع كامل وفي منطقة المعرجات شمال غرب أريحا، وثقت المنظمة تهجير تجمع فلسطيني كامل يضم نحو 50 عائلة، بعد سنوات من الاعتداءات والمضايقات التي شملت تدمير المنازل والآبار والألواح الشمسية وسرقة المواشي والأعلاف. ووفق التقرير، أقام المستوطنون بؤرة داخل التجمع، قبل أن تتصاعد الاعتداءات وصولًا إلى إجبار السكان على الرحيل. وفي شباط/فبراير 2026، هُدمت بقايا المنازل، رغم صدور قرار قضائي إسرائيلي يطلب تمكين السكان من العودة بأمان. المغيّر وقريوت: قتل وقيود على الحركة وفي قرية المغيّر شمال شرق رام الله، وثقت «هيومن رايتس ووتش» عشرات الهجمات الاستيطانية، مشيرة إلى مقتل فلسطينيين، بينهم فتى، خلال هجوم قرب مدرسة في نيسان/أبريل 2026. كما تحدث التقرير عن توسع البؤر الاستيطانية المحيطة بالقرية، وإغلاق الجيش الإسرائيلي معظم طرقها، ومنع السكان من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم. وفي قريوت، وثقت المنظمة هجومًا في آذار/مارس أدى إلى مقتل شقيقين وإصابة آخرين، مشيرة إلى أن أحد المسلحين كان يرتدي زيًا عسكريًا، قبل أن يقر الجيش الإسرائيلي بأنه جندي احتياط في الخدمة الفعلية ويفتح تحقيقًا بالحادث. «بيئة قسرية» وفق القانون الدولي واعتبرت «هيومن رايتس ووتش» أن ما يجري يندرج ضمن مفهوم التهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي، موضحة أن التهجير لا يتطلب بالضرورة صدور أمر مباشر بإخلاء السكان، بل يمكن أن يتحقق عندما تخلق سلطات الاحتلال ظروفًا قسرية لا تترك أمام المدنيين خيارًا فعليًا سوى الرحيل. واستندت المنظمة إلى المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل أو التهجير القسري للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة، باستثناء حالات محدودة ومؤقتة تفرضها ضرورات أمنية أو عسكرية ملحة. كما ذكّرت بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز/يوليو 2024، والذي اعتبر استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وأشار إلى مسؤولية إسرائيل عن منع ومعاقبة عنف المستوطنين. دعوات لعقوبات وحظر نقل الأسلحة ودعت «هيومن رايتس ووتش» الدول إلى اتخاذ إجراءات ضد المسؤولين عن الانتهاكات، بما في ذلك فرض عقوبات محددة، وتعليق نقل الأسلحة إلى إسرائيل، وحظر التجارة مع المستوطنات، والنظر في تعليق اتفاقيات التجارة التفضيلية معها. كما دعت إلى دعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية وتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عنها. وقالت الباحثة في المنظمة سارة صنبر إن الإفلات من العقاب الذي يتمتع به المستوطنون يرتبط بالدعم الذي تحصل عليه إسرائيل من حلفائها، معتبرة أن المسؤولية لا تقتصر على منفذي الاعتداءات، بل تشمل الجهات التي توفر لهم الغطاء السياسي والقانوني والمادي. وخلص التقرير إلى أن عنف المستوطنين، إلى جانب مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على الفلسطينيين، يشكل منظومة متكاملة تدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم، في مسار تعتبره المنظمة جزءًا من عملية تهجير قسري مستمرة في الضفة الغربية المحتلة. تحرير: اتحاد الوفاء/ عرب ٤٨ |