٢٧ شباط ٢٠٢٦ 
في الضاحية الجنوبية لبيروت، ينشط قطاع صناعي يعمل على هامش الاقتصاد اللبناني، معظم مؤسساته صغيرة وغير مرخّصة، ويراوح عدد العاملين فيها بين موظف واحد وستة موظفين. هذا القطاع أنهكته الأزمة الاقتصادية والحرب الإسرائيلية وإهمال الدولة، إضافةً إلى التسارع في الاقتصاد الرقمي، ما رفع كلفة الإنتاج وقلّص فرص التصريف، وفاقم التحدّيات المالية والإدارية والتسويقية. كل ذلك بات يشكّل تهديداً لاقتصاد المنطقة، وآلاف العائلات التي تعتمد عليه. لذا، أطلق اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية مشروع «ابتكار» لإحداث نقلة في القطاعات الصناعية والحرفية. فالكثافة السكانية لم تعد كافية لإنعاش الأسواق أو تعويض آثار الأزمات المتلاحقة. وبات دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الناشئة والمبادرات الفردية «ضرورة ملحّة، كونها تشكّل العمود الفقري لاقتصاد الضاحية»، وفقاً لرئيس الاتحاد، محمد ضرغام. المشروع الذي يمتد على ثلاث مراحل، يستهدف في كل منها 200 مؤسسة صناعية وحرفية على مدى عام. ويرمي إلى تعزيز قدرة هذه المؤسسات على الصمود والنمو، عبر رفع كفاءتها وربطها بالأسواق ضمن منظومة اقتصادية متكاملة. التحدّيات التسويقية تتقدّم بعد تسجيل 139 مؤسسة على المنصّة التي أطلقها مشروع «ابتكار»، تبيّن أن المؤسسات التجارية تشكّل 40%، تليها المؤسسات الصناعية بنسبة 36% (خصوصاً صناعات الملبوسات والمواد الغذائية)، والمؤسسات الخدماتية (14%)، وأخيراً المؤسسات الحرفية (10%). أمّا التحدّيات، فتصدّرت التحدّيات التسويقية (45%)، تلتها المالية (25%)، ومن ثم التشغيلية (16%)، وأخيراً الإدارية (14%). ورغم أن المشروع موجّه أساساً إلى مؤسسات الضاحية، سجّلت مؤسسات من المناطق المجاورة نسبة مشاركة بلغت 6.47%، برزت بينها بشكل لافت منطقة معوض التابعة لبلدية الشياح. والسبب، وفقاً لنقيب المؤسسات التجارية في بيروت وجبل لبنان، سليم ضيا، شعور هؤلاء التجار بالتهميش، نتيجة «تمييز بلدية الشياح بين السكان». ويشير، للدلالة على ذلك، إلى الفارق في الرسوم البلدية، التي «تراوح بين 60 و70 مليون ليرة لتجار معوض، مقابل نحو 15 مليون ليرة فقط لتجار عين الرمانة». منافسة سورية وأجنبية ومناطقية لم يكن اللقاء الذي نظّمه الاتحاد أخيراً مع أصحاب المؤسسات كافياً لاحتواء سيل الشكاوى والمطالب المتراكمة. وقد طغى عليه الحديث عن المنافسة السورية، التي وصفها المشاركون بأنها «غير عادلة»، لافتين إلى أن التجار السوريين يبيعون بأسعار أدنى، ما يضع المنتج المحلي أمام منافسة صعبة. كما ارتفعت اعتراضات على اجتياح البضائع الأجنبية للسوق اللبنانية، في ظل غياب سياسات واضحة لحماية الإنتاج الوطني وتشجيع استهلاك المنتجات المحلية. ودعا بعض المشاركين إلى دعم المنتجات المصنّعة داخل الضاحية تحديداً، انطلاقاً من واقع الصعوبات التي يواجهونها في تسويق إنتاجهم «لوجود فيتو في أكثر من مكان على المنتجات التي تأتي من الضاحية». وعلى مستوى التحدّيات، تصدّرها ارتفاع كلفة الإنتاج، من المواد الأولية، إلى مصادر الطاقة التي تتعدّد فواتيرها بين «كهرباء الدولة» و«الاشتراك» و«المولّد الخاص»، فضلاً عن ارتفاع كلفة الشحن والتسويق. كذلك، اشتكى أصحاب المصالح من الارتفاع الكبير في إيجارات المحال والمستودعات والمعامل. التحدّيات بين ارتفاع كلفة الإنتاج والمنافسة السورية والبضائع الأجنبية والوضع غير القانوني مثلاً، محمد، الذي دمّر العدو الإسرائيلي ثلاثة معامل له في بلدة عيتا الشعب الجنوبية، اضطر إلى نقل مصلحته الحرفية إلى الضاحية، في خطوة وصفها بأنها «مكلفة وصعبة». فإيجار المحل يبلغ 1300 دولار، «ويستنزف ثلاثة أرباع الربح». عملياً، لن يكون هناك دعم مالي مباشر للمؤسسات المتعثّرة، وإنما سيتم «تسهيل عرض المشاريع الاقتصادية على الجهات المانحة للحصول على دعم مالي، والمساعدة في الحصول على قروض ميسّرة»، يقول مسؤول مكتب التنمية في الاتحاد، زهير جلول. والمشروع سيركّز على الجانب التقني، عبر تنظيم دورات تدريبية وورش عمل تهدف إلى تحسين أداء أصحاب المؤسسات، ولا سيما في مجالات الإدارة والتحوّل الرقمي، خصوصاً في مجال التسويق. كذلك، سيشمل خدمات في الإدارة المالية والمحاسبة، وإرشادات لإعداد الموازنات، وتقديم دعم قانوني وتنظيمي، إلى جانب التشبيك بين مختلف أطراف العملية الإنتاجية. 90% مؤسسات غير مُرخّصة بدأ الاتحاد عمله بالتركيز على قوننة المؤسسات الاقتصادية. فـ«من أصل نحو 30 ألف مؤسسة تجارية وصناعية، هناك ثلاثة آلاف فقط مُسجّلة في الدوائر الرسمية»، وفقاً لجلول، أي ما لا يتجاوز 10%. ويأتي ذلك بالتوازي مع التعميم 13/1 الذي أصدره وزير الصناعة جو عيسى الخوري، مانحاً فيه المؤسسات الصناعية غير المُرخّصة حتى 15 نيسان المقبل لتسوية أوضاعها واستكمال إجراءات الترخيص، في خطوة تهدف إلى تنظيم العمل الصناعي ودعم الصناعيين. ويضرّ غياب التراخيص بأصحاب المؤسسات أنفسهم قبل أي جهة أخرى، إذ يعمّق تهميشهم ويحرمهم من الاستفادة من أي دعم حكومي أو خارجي. وفي هذا السياق، يروي ضيا كيف «حُرم أصحاب المحالّ في الضاحية من برنامج الدعم النقدي للمتضرّرين من الحرب الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لأن مؤسساتهم غير مُرخّصة، فيما استفاد أصحاب المحال على أطراف الضاحية رغم تعرّضهم لأضرار طفيفة مقارنة بما تكبّده أبناء الضاحية». كذلك، يولي الاتحاد أهمية خاصة لتنظيم المعارض الدائمة والموسمية. لذا، سيبدأ بافتتاح سوقين تجاريين لعرض المنتجات في الشارع، تزامناً مع أجواء عيد الفطر؛ الأول في منطقة حارة حريك، والثاني في منطقة معوض. تحويل الأموال و«الدليفري» تحت المجهر ويرى الاتحاد أن القطاعات الإنتاجية في الضاحية بحاجة إلى نفضة، على صعيد مواكبة التطورات التكنولوجية والرقمية. لذا، يقول الباحث والخبير في مجال المعلوماتية، ربيع بعلبكي، إن المشروع «سيعمل على رفع نضج أصحاب العمل الرقمي في مسألة استخدام البرامج الإلكترونية والتطبيقات، بما يؤمّن الحماية من الخروقات الأمنية وخروقات المنافسين في المهنة، كذلك زيادة حرص أصحاب العمل عند التعامل مع شركات تحويل الأموال». كما يشير جلول إلى «سعي الاتحاد لضبط خدمة التوصيل «الدليفري» عبر الربط بينها وبين الجهات الأمنية في الضاحية وأمن البلديات، تفادياً للخرق الأمني والخروقات التي قد تُسجّل لغايات اقتصادية خدماتية». وحول الرقابة الصحية وإشكالية الحفاظ على سلامة الغذاء من دون الإضرار بسمعة المؤسسات، يلفت جلول إلى «نشاط المفارز الصحية الأربع في الضاحية الذي يبقى بعيداً عن الإعلام تفادياً للتشهير»، واعداً بتفعيلها. في المحصّلة، إذا كُتب لهذا المشروع النور، فسينعكس إيجاباً على العملية الإنتاجية في الضاحية الجنوبية. غير أن نهاية الطريق لا تبدو واضحة، ولا سيما أن السكة مليئة بالعوائق الأمنية والمالية. التجارة ليست بخير أيضاً صحيح أن الأولوية في مشروع «ابتكار» هي للقطاعات الإنتاجية الصناعية والحرفية، لكنّ المؤسسات التجارية في الضاحية الجنوبية ليست بخير أيضاً، وتنازع من أجل البقاء، إذ «تراجع المبيع في أسواق حارة حريك وبئر العبد وحي السلم وبرج البراجنة بنسب تراوح بين 50 و60%، بينما أقفل عدد من أصحاب المصالح محالّهم وبحثوا عن مهن أخرى، أو فتحوا فروعاً جديدة خارج الضاحية في برج حمود وبعبدا والحازمية»، وفقاً لنقيب المؤسسات التجارية في بيروت وجبل لبنان، سليم ضيا. ويعزو ضيا ذلك إلى حالة عدم الاستقرار الأمني بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن «مجرد تحليق المُسيّرات في الأجواء كفيل بإفراغ الأسواق من الزبائن، إضافة إلى عودة عدد كبير من النازحين السوريين إلى بلادهم، بعدما كانوا يشكّلون نسبة مهمة من المستهلكين». بعد وقف إطلاق النار، يخشى كثير من التجار الاستثمار في منطقة «ساخنة». ويأخذون في الحسبان دوماً احتمال عودة الحرب مجدّداً. وفي جولة سريعة في أسواق الضاحية، تُظهِر أن بيع المواد الغذائية والأطعمة يبقى أفضل حالاً من بيع الألبسة والأحذية والمفروشات والأثاث وغيرها من السلع التي باتت تُصنّف في خانة الكماليات. لذا، سيعيد التجار إحياء سوق «أرضي» في أجواء عيد الفطر ليعرضوا بضائعهم المُكدّسة بين المونة والمأكولات التي تجذب المستهلكين، على أمل تغطية الخسائر التي تكبّدوها. المصدر: الأخبار |