٢ آب ٢٠٢٦ 
كتب عماد ياغي استخدام جنود الاحتلال الإسرائيلي بطاقات اتصال رقمية (eSIM) لبنانية يكشف ثغرات خطيرة في الرقابة على قطاع الاتصالات، ويطرح أسئلة حول آليات بيع الشرائح، وحماية الأمن السيبراني، ومسؤولية الدولة عن سد هذه الفجوة الأمنية. لم يعد الخرق الإسرائيلي للبنان يقتصر على الخروقات الجوية، ولا على الاعتداءات العسكرية التي تستهدف الأرض والبشر، بل بات يمتد إلى فضاء الاتصالات، في مشهد يكشف حجم التراخي الرسمي والعجز المزمن عن حماية أحد أكثر القطاعات حساسية في أي دولة. وما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن قيام جنود من قوات الاحتلال بشراء بطاقات اتصال رقمية لبنانية (eSIM) واستخدامها في تواصلهم العملياتي داخل الأراضي اللبنانية، ليس مجرد حادثة تقنية عابرة أو مخالفة فردية ارتكبها عدد من الجنود، بل هو جرس إنذار مدوٍّ يفرض على اللبنانيين أن يسألوا: أين الدولة؟ وأين وزارة الاتصالات؟ وأين الأجهزة الرقابية التي يفترض بها أن تتابع هذا القطاع وتمنع تحويله إلى ثغرة أمنية يستفيد منها العدو؟ المفارقة أن جيش العدو الإسرائيلي نفسه تعامل مع القضية باعتبارها حادثة أمن معلومات خطيرة تستوجب التحقيق الفوري وحصر الأضرار، بينما لم يصدر في لبنان حتى الآن أي موقف رسمي يوضح كيف وصلت بطاقات اتصال لبنانية إلى أيدي جنود الاحتلال، وما إذا كانت هناك آليات رقابية حقيقية تتابع بيع شرائح الاتصال الرقمية، ومن هي الجهات التي توفرها، وكيف يتم التحقق من هوية المستخدمين. فإذا كان الاحتلال يعتبر استخدام جنوده لبطاقات لبنانية تهديدًا لأمنه، فكيف يمكن للدولة اللبنانية أن تتعامل مع الأمر وكأنه لا يعنيها، علمًا أن المسألة تمس سيادتها وأمنها الوطني قبل أي شيء آخر؟ في السنوات الماضية تحولت وزارة الاتصالات إلى عنوان دائم للوعود والإعلانات والمشاريع المؤجلة، فيما بقي الأمن السيبراني وأمن الاتصالات في أسفل سلم الأولويات. فبدلًا من بناء منظومة متطورة تراقب حركة الاتصالات وتحمي الشبكات من الاختراق والاستغلال، انشغلت الحكومات المتعاقبة بالمحاصصة والتعيينات داخل المؤسسات التابعة للوزارة، حتى أصبح هذا القطاع الحيوي رهينة الحسابات السياسية أكثر منه جزءاً من منظومة الأمن الوطني. إن بيع بطاقات الاتصال، سواء التقليدية أو الرقمية، ليس نشاطًا تجاريًا عاديًا، بل هو ملف أمني بامتياز. ففي معظم دول العالم تخضع شرائح الاتصال لإجراءات تحقق صارمة، وتوجد قواعد بيانات دقيقة تتيح معرفة هوية المستخدم ومكان التفعيل وآلية الاستخدام، لأن أيّ تهاون في هذا المجال قد يفتح الباب أمام شبكات التجسس والجريمة المنظمة والإرهاب والاختراقات الأمنية. أما في لبنان، فإن الفوضى التي تحكم هذا القطاع تجعل من السهل التساؤل عمّن يراقب فعلًا حركة هذه البطاقات، ومن يضمن ألا تتحول إلى أدوات يستخدمها العدو الإسرائيلي أو أي جهة معادية لتنفيذ عمليات أمنية أو استخبارية داخل البلاد. في السنوات الماضية تحولت وزارة الاتصالات إلى عنوان دائم للوعود والإعلانات والمشاريع المؤجلة، فيما بقي الأمن السيبراني وأمن الاتصالات في أسفل سلم الأولويات وما يزيد خطورة القضية أن الحديث لا يدور عن مدنيين أو سائحين أو شركات أجنبية، بل عن جنود يشاركون في عمليات عسكرية معادية على الأراضي اللبنانية. هؤلاء استخدموا بطاقات اتصال لبنانية لتحسين تواصلهم أثناء تنفيذ مهام قتالية، وفق ما أقر به الإعلام الإسرائيلي نفسه. أي إن شبكات الاتصالات اللبنانية أصبحت، بطريقة أو بأخرى، جزءًا من بيئة الاتصالات التي استفاد منها جنود الاحتلال. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإطلاق تحقيق وطني واسع، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو إهماله، لأن الأمر يتجاوز حدود الخطأ الإداري إلى مستوى المساس المباشر بالأمن القومي. لكن المشكلة في لبنان أن ثقافة المساءلة تكاد تكون غائبة. فكل فضيحة تتحول إلى خبر يتداوله الناس لساعات أو أيام، ثم تختفي من دون نتائج، وكأن شيئًا لم يكن. أما المسؤولون، فيواصلون ممارسة أعمالهم من دون أن يشعروا بأن هناك رأيًا عامًا يطالبهم بالإجابة أو حكومة تعتبر نفسها مسؤولة أمام المواطنين. إن الأخطر من حادثة بطاقات الاتصال ليس وقوعها بحد ذاته، بل احتمال وجود حوادث مشابهة لم تُكتشف بعد، أو لم يُكشف عنها للرأي العام. وإذا كان الإعلام الإسرائيلي قد أضاء على هذه الواقعة بسبب تحقيق داخلي أجراه جيشه، فمن يضمن أن ملفات أخرى لم تبقَ طي الكتمان؟ ومن يضمن ألا تكون هناك ثغرات أمنية أكبر في قطاع الاتصالات اللبناني لم ينتبه إليها أحد، أو جرى التغاضي عنها بسبب الإهمال أو ضعف الرقابة؟ إن أي دولة تحترم نفسها كانت ستبادر فورًا إلى فتح تحقيق شفاف، وإعلان نتائجه للرأي العام، واتخاذ إجراءات عاجلة لسد الثغرات، وإعادة تقييم منظومة بيع وإدارة بطاقات الاتصال، ولا سيما الرقمية منها. أما استمرار الصمت، فهو رسالة سلبية توحي بأن السلطة لا تدرك حجم المخاطر، أو أنها لا تريد تحمل مسؤولياتها. المصدر : الأخبار |