٨ تموز ٢٠٢٦ 
ليست المقبرة، في علم الاجتماع السياسي، مجرد مساحة لدفن الموتى، بل هي واحدة من أكثر المؤسسات الاجتماعية التصاقاً بالهوية الجماعية. فحيثما توجد المقابر، توجد الجماعة البشرية التي ترسّخ حضورها الزمني على أرضها. ولذلك، لم يكن استهداف المقابر عبر التاريخ عملاً عسكرياً عادياً، بل كان دائماً فعلاً رمزياً عميق الدلالة، يرتبط بمحاولات محو الذاكرة الجماعية، وقطع السلسلة التي تربط الأحياء بأسلافهم، وتحويل الأرض من وطن ذي جذور إلى مساحة جغرافية، ثم عقارية، قابلة لإعادة الهندسة والتشكيل. في جنوب لبنان، ابتكرت "إسرائيل" نموذجها الخاص من نماذج التطهير العرقي وجرائم الحرب. فمشاهد جرف المقابر وتفجيرها تجاوزت، بأضعاف، الأعمال الحربية التي قد تشهد حدثاً مماثلاً في نقطة جغرافية محددة، لتصبح سياسة حربية ممنهجة، واسعة النطاق ومقصودة. فالمقابر، بحكم طبيعتها، ليست مواقع اشتباك، بل هي أرشيف حجري للانتماء، وخرائط عائلية لتاريخ محلي ضارب في القدم، وسجل غير مكتوب لحق السكان وورثتهم في الأرض والمكان. وقد وثّقت تقارير حقوقية وصحافية عمليات استهدفت مقابر ومواقع دينية في القرى الحدودية الجنوبية. فقد أشار تقرير لـ"المفكرة القانونية" إلى حالات تدمير طالت مقابر في الجنوب اللبناني خلال العدوان الإسرائيلي، واعتبرها جزءاً من نمط أوسع من الاعتداء على الرموز المدنية والدينية. كما وثّقت شهادات ميدانية وصور أقمار صناعية عمليات تجريف واسعة النطاق في قرى حدودية، رافقتها أعمال هدم ممنهجة للمنازل والمرافق العامة. في قرية الضهيرة مثلاً، نقلت تقارير صحافية عن سكان عادوا إلى بلدتهم بعد الانسحاب الإسرائيلي الجزئي أن المقبرة القريبة من الحدود كانت قد جُرفت بواسطة جرافات إسرائيلية، ما اضطر الأهالي إلى إقامة مراسم الدفن في موقع بديل. نحن هنا لا نتحدث عن قصف طال المقابر، بل عن أعمال تجريف ممنهجة. وقد يبدو هذا المشهد، للوهلة الأولى، تفصيلاً صغيراً وسط أرقام الشهداء والجرحى والنازحين، لكنه في الحقيقة يلامس واحداً من أكثر أبعاد الصراع حساسية: العلاقة بين الإنسان وذاكرته المكانية. ولا تقتصر المسألة على قرية واحدة أو على القرى الحدودية فقط، بل امتد التدمير المنهجي إلى قرى بعيدة عن الحدود في عمق الجنوب اللبناني، مثل كفررمان وصريفا وبرج قلاويه وغيرها. ووصل استهداف المقابر أيضاً إلى قلب البقاع الشمالي، في شمسطار والنبي شيت، حيث نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليات إنزال استهدفت المقابر كذلك. في الأدبيات الحديثة الخاصة بالتطهير العرقي، يتجاوز مفهوم الإزالة مسألة إبعاد السكان أو قتلهم. فالباحثون يتحدثون أيضاً عن "التطهير الرمزي"، أي إزالة العلامات التي تثبت وجود جماعة بشرية في المكان. فالقرية ليست بيوتها فقط، بل كنائسها ومساجدها وأشجارها وأسماؤها ومقابرها. وإذا مُحيت هذه العناصر، يصبح من الأسهل مستقبلاً الادعاء بأن الأرض كانت فارغة، أو أن أهلها كانوا مجرد عابرين عليها. وهذا ما تقوم عليه السردية الصهيونية تجاه فلسطين. فالدعاية الصهيونية تدّعي أن الفلسطينيين مجرد عرب ينتمون إلى دول أخرى، وليسوا شعباً صاحب أرض ووطن، فيما يُقدَّم الشعب اليهودي بوصفه صاحب الحق الحصري في فلسطين. وفي مواجهة هذه الرواية، تقف الشواهد التاريخية والأثرية والثقافية، وتقف الذاكرة أيضاً، والمقابر في مقدمة هذه الشواهد. وقد شهد العالم أمثلة عديدة على هذه الظاهرة. ففي البوسنة خلال تسعينيات القرن الماضي، لم تكتفِ القوات الصربية بقتل السكان المسلمين أو تهجيرهم، بل استهدفت المساجد والمكتبات والمقابر. وفي فلسطين عام 1948 جرى تدمير مئات القرى، وتحولت مقابر كثيرة إلى أراضٍ مهملة أو مواقع بناء جديدة. وفي قبرص وكوسوفو، اعتُبر الاعتداء على المقابر جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة كتابة الجغرافيا البشرية. فالمقبرة تؤدي وظيفة سياسية لا تقل أهمية عن وظيفتها الدينية. إنها إعلان دائم عن استمرارية الجماعة عبر الزمن. فالأحياء قد يرحلون أو يُهجّرون، أما القبور فتبقى شاهداً مادياً على أن لهذه الأرض أصحاباً وأسماءً وسلالات وعائلات. ولهذا السبب تحديداً تصبح المقابر هدفاً في الصراعات ذات الأبعاد السكانية أو الهوياتية. وفي جنوب لبنان، تكتسب المسألة بعداً إضافياً، فالكثير من القرى الحدودية هي مجتمعات متجذرة منذ قرون. وفي تلك القرى لا توجد فواصل حقيقية بين المقبرة والحياة اليومية. فالمقبرة مساحة اجتماعية حية، يزورها السكان باستمرار، ويصلّون فيها، ويستحضرون من خلالها امتدادهم في الآباء والأجداد. كما أن الأرض الزراعية قد تكون ملاصقة للقبور، والأجداد المدفونون هناك يشكلون جزءاً من الوعي الجمعي للسكان. وغالباً ما تُختزل علاقة الإنسان بأرضه في عبارة شعبية بسيطة يرددها الناس: "هنا قبور أهلنا"، قبل أن يقولوا: "هنا بيتنا". ويستطيع الإنسان أن يعيد بناء منزله، وأن يزرع شجرة جديدة مكان تلك التي احترقت، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعيد بناء قبر جرى اقتلاعه أو نبش رفاته أو تسويته بالأرض. من هنا فإن تدمير المقابر يحمل رسالة تتجاوز الحاضر إلى المستقبل. وهذا البعد هو ما يجعل العديد من الباحثين يربطون بين الاعتداء على المقابر وبين مشاريع الهندسة الديموغرافية طويلة المدى. إذ لا تقوم عمليات الإحلال السكاني فقط على نقل البشر من مكان إلى آخر، بل على إنتاج فراغ رمزي يسمح بإعادة صياغة الأرض وسكانها. ولذلك تبدو عمليات التدمير الواسعة التي طالت مقابر في قرى جنوب لبنان مثيرة للقلق بصورة خاصة. فقد وثّقت منظمات دولية وصحف كبرى استخدام الجرافات والمتفجرات في هدم أحياء وبلدات كاملة بعد السيطرة عليها ميدانياً، بما يشير إلى نمط من التدمير المنهجي يتجاوز متطلبات القتال المباشر. كما تحدثت تقارير حقوقية عن تدمير واسع للبنى المدنية والأراضي الزراعية ومرافق الحياة الأساسية، بما يعيق عودة السكان إلى مناطقهم. إلى جانب ذلك، جرى التحدث عن أضرار بيئية وزراعية واسعة ناجمة عن استخدام مواد مؤذية للأراضي الزراعية، ما فاقم من صعوبة استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المستهدفة. وكأن المطلوب أن تصبح الأرض قاحلة من الشجر والمزروعات، ومن الشواهد التي تربط أهلها بها أيضاً. وتحذر منظمات حقوقية دولية من أن سياسات الإخلاء القسري والتدمير الواسع للممتلكات في جنوب لبنان قد ترقى إلى جرائم حرب، خصوصاً عندما تُستخدم لإحداث تغيير دائم في الواقع السكاني للمناطق المستهدفة. فعندما يُقتلع السكان من بيوتهم، ثم تُدمر البيوت، ثم تُمحى العلامات التي تثبت علاقتهم التاريخية بالمكان، يصبح الطريق ممهداً أمام إعادة تشكيل الجغرافيا البشرية نفسها. وليس المقصود بالضرورة أن مشروعاً استيطانياً قد بدأ بالفعل، بل إن الشروط الرمزية التي تجعل مثل هذا المشروع ممكناً تبدأ بالتشكل. فالاستيطان لا يحتاج فقط إلى أرض فارغة من السكان، بل إلى أرض فارغة من الذاكرة أيضاً. والهدف الأعمق ليس الموتى أنفسهم، بل الأحياء وأبناؤهم الذين سيعودون يوماً للبحث عن جذورهم. وهكذا يصبح تدمير المقبرة محاولة لإرباك البوصلة الوجودية للجماعة، وإضعاف قدرتها على القول إنها صاحبة المكان بكل معانيه. وفي كتاباته عن الذاكرة الجماعية، تحدث عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس عن أن الذاكرة لا تعيش في العقول فقط، بل في الأمكنة أيضاً. فالإنسان يتذكر لأنه يستطيع أن يرى البيت القديم، أو الطريق القديم، أو قبر الجد. وفي الجنوب، اختفت كثير من معالم القرى والبلدات، حتى إن أهلها لم يتعرفوا إلى طرقاتها من النظرة الأولى. وحين تختفي هذه المعالم، لا تختفي الذكريات فوراً، لكنها تصبح أكثر هشاشة. وهذا بالضبط ما يجعل المقابر هدفاً مغرياً لـ"إسرائيل"، لأن جرف القبور يستهدف قتل الاستمرارية نفسها. وهنا يبدو العدوان على الذاكرة موازياً للعدوان على الشعب والأرض. فبين البيوت المهدمة، والقرى المدمرة، والحقول المحروقة، والمقابر المجروفة، يظهر نمط متكامل يستهدف شروط العودة نفسها؛ ليس فقط العودة الجغرافية، بل العودة النفسية والثقافية والرمزية أيضاً. ومع ذلك، يعلمنا التاريخ أن الذاكرة البشرية أكثر عناداً من الجرافات. خصوصاً في حالة الجنوبيين الذين أثبتوا، عبر التاريخ، مستوى عالياً من الثبات في أرضهم، واستعداداً استثنائياً للتضحية في سبيل حفظها والبقاء فيها. ففي التاريخ دُمّرت مقابر كثيرة في حروب العالم، لكن الشعوب عادت وأعادت دفن موتاها، وأقامت شواهد جديدة فوق الركام، وكتبت أسماءها من جديد على الحجارة. فالقبر عقد غير مكتوب بين الأرض وأهلها. المصدر: الميادين |