الصفحة الرئيسية البحث البريد الالكتروني RSS
فلاشات إخبارية
 
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

مواقف وآراء > قطع الحساب المؤجَّل: التهرّب من المحاسبة وما يحجبه من هدر وفساد

 ٤ ت١ ٢٠٢٦

بقلم البروفسور فريد جبور

 

حين تتأخر الحكومة في إنجاز قطع الحساب مرة واحدة، يمكن البحث عن عائق إداري. أما حين يتكرر التأخير عبر حكومات متعاقبة، رغم وضوح النصوص وتراكم الملاحظات الرقابية، فإن المسألة تتجاوز الخطأ العارض إلى مسؤولية سياسية عن استمرار تعطيل المحاسبة. ويصبح التعمد موضوعًا مشروعًا للبحث من خلال القرارات والإغفالات المتكررة، من دون افتراض أن كل مسؤول ارتكب سرقة أو اشترك في إخفائها.

 

لا حاجة إلى اتهامات غير مثبتة لإظهار خطورة نظام يسمح للسلطة بالتصرف في المال العام، ثم يؤجل مطالبتها بتقديم حساب عن ذلك التصرف. فالفصل بين صلاحية الإنفاق وواجب المساءلة يهيّئ بيئة يستمر فيها الهدر، وتتراجع فيها إمكانات كشف المخالفات، وتضيع فيها المسؤوليات بين الإدارات والوزارات والحكومات.

 

الموازنة تمنح الحكومة إجازة الجباية والإنفاق، وقطع الحساب يبيّن ما فعلته بهذه الإجازة: ما الإيرادات التي حصّلتها؟ وما النفقات التي نفّذتها؟ وهل التزمت الاعتمادات والأصول؟ لذلك، فإن تمرير موازنات متتالية من دون استكمال الرقابة على تنفيذ السنوات السابقة يسمح بتجديد صلاحيات الحكومة المالية فيما يبقى حساب استعمالها السابق معلقًا.

 

وقد وضعت المادة ٨٧ من الدستور قاعدة واضحة تُلزم بعرض الحسابات النهائية لكل سنة على مجلس النواب للموافقة عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تليها. فقبل نشر موازنة ٢٠٢٧، يكون الحساب المعني بهذه القاعدة هو حساب سنة ٢٠٢٥. الغاية هي أن يعرف ممثلو الشعب نتيجة الإنفاق السابق قبل إجازة الإنفاق اللاحق.

 

ويحدّد قانون المحاسبة العمومية مراحل العمل ومهله: تقديم قطع الحساب إلى ديوان المحاسبة قبل ١٥ آب من السنة التالية، وحساب المهمة العام قبل أول أيلول، وإحالة الحكومة مشروع قانون قطع الحساب إلى مجلس النواب قبل أول تشرين الثاني. المحاسبة، إذن، واجب دوري له مواعيد ومسؤولون، وليست إجراءً يُنجز عندما تسمح الظروف السياسية.

 

من هنا تبرز مسؤولية الحكومات المتتالية. فالحكومة التي تتسلّم خللًا موروثًا لا تكون مسؤولة عن نشأته بالضرورة، لكنها تصبح مسؤولة عن طريقة التعامل معه. وعندما تعرف بالمخالفة، وتمتلك صلاحية معالجتها، ثم تستمر في تمرير السنوات من دون خطة فعّالة أو كشف واضح للعوائق، لا يعود وصف المشكلة بأنها موروثة جوابًا كافيًا. كل حكومة تتسلّم المالية العامة تتسلّم معها واجب تنظيم الحسابات، وتأمين مستنداتها، وتمكين الرقابة عليها.

 

والخلل اللبناني موثّق منذ زمن. ففي متابعة نيابية منشورة عام ٢٠١٠، وردت مشكلات تتعلق بتصفير الحسابات في مطلع ١٩٩٣، وعدم صحة حسابات المهمة، وعدم تقديم بعضها منذ عام ٢٠٠٠. كما ورد إقرار وزارة المالية بالوقائع المعروضة، مع إرجاعها إلى خطأ تقني وإعلان إجراءات لتصحيح القيود. هذه الوقائع لا تثبت أن كل فرق محاسبي سرقة، لكنها تثبت أن السلطات كانت على علم بمشكلة تمسّ موثوقية الحساب المالي للدولة.

 

وتكرار الاستثناء يغيّر طبيعته. فقد تُطرح ضرورة استمرار المرافق العامة لتبرير عدم تعطيل الموازنة، لكن استمرارية المرافق يجب أن تقترن بإجراءات ملزمة لاستعادة الانتظام المالي. وإلا أصبح تجاوز قطع الحساب طريقًا مألوفًا لإجازة إنفاق جديد من دون استكمال المساءلة عن القديم. وقد انتقدت المفكرة القانونية، في قراءتها لقرار المجلس الدستوري بشأن موازنة ٢٠٢٦، استمرار الاستناد إلى الحالة الشاذة المتمثلة في غياب قطع الحساب لتبرير مرور الموازنة.

 

لا يعني ذلك أن جميع المؤسسات أو المسؤولين يتفقون على إخفاء الفساد، لكنه يسمح بطرح سؤال سياسي جدي: من يستفيد من استمرار حسابات غير مكتملة، ومن يدفع ثمن غيابها؟ يستفيد من الغموض كل من يخشى ظهور مخالفة أو تقصير، بينما يدفع المجتمع كلفة ضعف الرقابة وصعوبة استرداد الحقوق.

 

أول ما يحجبه غياب الحساب المكتمل هو الصورة المتكاملة لحركة المال. فهناك فرق بين الإيراد الذي لم يُحصّل، والإيراد الذي حُصّل ولم يُورَّد بصورة سليمة، والمبلغ الذي ورد إلى الخزينة ثم أُنفق خلافًا للأصول. وهناك فرق بين الخطأ في القيد والاختلاس، وبين النفقة الضرورية والمبلغ المصروف بلا منفعة مناسبة. ولا يمكن التمييز بين هذه الحالات بالخطابات؛ بل بالحسابات والمستندات والمطابقة والتحقيق.

 

ويضعف التأخير الرقابة على سلفات الخزينة أيضًا. فالسلفة لها غاية وأصول تسديد، ويجب إظهار ما أعطي منها وما سُدّد وما بقي قائمًا. ولهذا يوجب قانون المحاسبة العمومية إرفاق مشروع قطع الحساب ببيان السلفات المعطاة وما سُدّد منها خلال سنة الموازنة. عدم متابعة هذا البيان قد يسمح باستمرار مبالغ معلّقة من دون جواب واضح عن مصيرها.

 

أما الهدر في العقود، فقد يختبئ حتى داخل حسابات منتظمة ظاهريًا. يمكن أن تكون النفقة مسجّلة ومغطاة باعتماد، فيما يكون سعر العقد مبالغًا فيه، أو التنفيذ ناقصًا، أو المشروع قليل الجدوى. لذلك، لا يكفي إنجاز قطع الحساب وحده؛ يجب وصله برقابة على التلزيم والأسعار والتنفيذ والنتائج. صحة التسجيل المحاسبي لا تثبت، بذاتها، حسن استعمال المال.

 

والتأخير يرفع كلفة الإثبات. فمع مرور السنوات تتبدّل الإدارات، وتتشتت الوثائق، ويصعب استعادة تفاصيل القرار والتنفيذ. وقد تتأثر إمكانات الملاحقة والتحصيل تبعًا لطبيعة الحق والمخالفة والقواعد القانونية المطبقة. هكذا يمنح تعطيل الحساب منفعة عملية لمن يريد الإفلات من المساءلة، حتى عندما لا يثبت أن إخفاء المخالفة كان الغاية الأصلية من التأخير.

 

ولا تقع المسؤولية على الحكومة وحدها. فوزارة المالية تعدّ الحسابات، وديوان المحاسبة يدقق ضمن اختصاصه، والحكومة تحيل مشروع القانون، ومجلس النواب يناقش ويقرّ ويتابع الملاحظات. وإذا اكتفى المجلس بإجازة الإنفاق الجديد من دون مساءلة جدية عن التنفيذ السابق، فإنه يضعف إحدى أهم وظائفه. وجود تقرير في ملف لا يحقق الرقابة ما لم يُناقش، وتُطلب الإجابات، وتُتابع المخالفات.

 

كما يجب التمييز بين إنجاز الحساب وتدقيقه وإقراره. ففي كانون الثاني ٢٠٢٦ أعلن رئيس ديوان المحاسبة إنجاز الديوان لقطوعات الحساب، لكن البيان المنشور لم يحدد السنوات المشمولة ولا مصير إقرارها النيابي. هذا التطور يوجب تحديد ما أُنجز فعلًا، وما بقي معلقًا، بدل إطلاق حكم عام بأن شيئًا لم يُنجز أو بأن الملف أُقفل بالكامل.

 

المطلوب كشف علني، سنةً بسنة، يبيّن المرحلة التي بلغها كل حساب، والجهة المسؤولة عن استكماله، والفروق غير المسوّاة، والسلفات غير المسدّدة، والملاحظات الرقابية والأجوبة عنها. ثم تُحال الوقائع التي تستوجب الملاحقة إلى المرجع المختص. ولا يجوز التعامل مع إقرار قطع الحساب سياسيًا بوصفه شهادة براءة تغني عن متابعة المخالفات والجرائم بأصولها الخاصة.

 

وترتبط هذه المسألة مباشرة بحقوق الموظفين والمتقاعدين. فالسلطة التي تتمسك بالدقة عند حساب كلفة تصحيح الرواتب وبدلات النقل مطالبة بالدقة نفسها عند تقديم حساب عن الموارد التي جبتها وأنفقتها. ولا يصبح إعلان العجز مقنعًا قبل بيان ما استُحق للدولة ولم يُحصّل، وما أُنفق بلا نتيجة مناسبة، وما اتُّخذ لمنع تكرار الخسارة.

 

إن استمرار التهرّب من قطع الحساب، بعد العلم بوجوبه وبالخلل الناجم عن غيابه، يرتّب مسؤولية سياسية عن تعطيل الرقابة. أما إثبات التعمد الجزائي والسرقة فيحتاج إلى أدلة خاصة بكل واقعة. وبين المستويين حقيقة واضحة: تعطيل المحاسبة يؤخّر ظهور المخالفة، ويمنح الهدر فرصة للاستمرار، ويترك المال العام بلا جواب كافٍ عن مصيره.

 

قطع الحساب حق للمجتمع في معرفة ما فُعل بماله. ومن يتولى المال العام ملزم بتقديم حساب عنه، ومن يؤخره باستمرار ملزم بتفسير التأخير وتحمل مسؤوليته. فلا تستعيد الدولة الثقة بطلب مزيد من التضحيات من المواطنين، وإنما بإخضاع مواردها وإنفاقها وقراراتها لمحاسبة فعلية تُنتج نتائج، لا وعودًا جديدة.

الصفحة الرئيسية
تعريف عن الاتحاد
محليات
قضايا العمل
الجمهورية الاسلامية في إيران
موقف الأسبوع
اتحادات صديقة
فنون
المخيم النقابي المقاوم
معرض الصور
أخبار عربية
أخبار دولية
متفرقات
مجتمع
قطاعات اقتصادية
إنتخابات نقابية
بيانات
مقالات صحفية مختارة
تشريعات
منصة إكس
ارشيف
منصة إرشاد
ثقافة وتربية
أنشطة عمالية وأخبار نقابية
القطاع العام
صدى النقابات
لبنان بلا دستور
دراسات وابحاث
الأجندة
مواقف وآراء
نافذة على العدو
فرص عمل

لتلقي الأخبار العمالية

إضغط على أيقونة الواتساب أدناه

 

 

أدخل على حساب الفيسبوك 

 

يمكنكم الدخول إلى قناة اليوتيوب

لاتحاد الوفاء بالضغط على الأيقونة أدناه

     

 
Developed by Hadeel.net