٢٥ شباط ٢٠٢٦ 
في تصعيدٍ جديد يضع ملف شركات الترابة في الكورة مجددًا تحت المجهر، وجّهت لجنة كفرحزير البيئية كتابًا مفتوحًا إلى الرؤساء الثلاثة وأعضاء مجلسي النواب والوزراء، محذّرةً ممّا وصفته بـ"إعادة عرض المسرحية المملّة" التي تلجأ إليها شركات الإسمنت كلما فُرض عليها تطبيق القانون أو دفع ما يتوجب عليها من رسوم وغرامات. في هذا الإطار، يؤكد رئيس اللجنة جورج عيناتي، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن التهديد المتكرر بإقفال المصانع وصرف العمال ليس سوى ورقة ضغط مكشوفة، مشيرًا إلى أن الشركات سبق أن أعلنت الإقفال مرارًا من دون أن تنفّذه فعليًا، لأن حجم الأرباح الضخم – على حدّ تعبيره – يفوق بكثير أي اعتبارات أخرى، حتى لو تعلّق الأمر بصحة الناس وحياتهم. أرقام العمال… و"أسطورة الآلاف" ويكشف أن عدد العمال المسجّلين في الضمان الاجتماعي لا يتجاوز نحو مئتي عامل لدى كل شركة، خلافًا لما كان يُروَّج عن وجود آلاف العاملين. ويقارن بين هذا الرقم وبين مشروع سياحي واحد في أنفه القريبة، يوظّف عددًا أكبر من أبناء المنطقة، "في قطاع صحي وبيئي لا في صناعة قاتلة"، على حدّ قوله. مئات ملايين الدولارات… قبل أي حديث عن الإقفال ويشدّد على أن أي طرح لإقفال المصانع يجب أن يسبقه إلزامها بدفع المستحقات المالية المترتبة عليها، وفي مقدمتها رسوم تشويه البيئة المنصوص عليها في القرار الحكومي رقم 3، والتي تُقدَّر – وفق ما بلغ اللجنة – بنحو 372 مليون دولار، إضافة إلى رسوم بلدية مماثلة تهرّبت الشركات من تسديدها لسنوات. كما يطالب بالاعتراف أمام القضاء وأمام أهالي ضحايا السرطان وأمراض القلب في الكورة بما "أُحرق داخل الأفران لعقود طويلة"، متحدثًا عن استخدام الفحم الحجري والبترولي، والوقود الثقيل المرتفع الكبريت، وبقايا صناعات ومواد خطرة يُمنع إحراقها قرب المناطق السكنية في دول عدة. نفايات سامة… ومقالع فوق المياه الجوفية ويشير عيناتي إلى ما يعتبره مخالفات جسيمة، أبرزها دفن نفايات صناعية خطرة في مقالع خارجة على القانون في وديان بدبهون وكفرحزير، تضم فلاتر قديمة، ومستوعبات أحماض، وغبار أفران يحتوي معادن ثقيلة، ورماد فحم يُشتبه باحتوائه مواد مشعّة. كما يتهم الشركات بتخزين الفحم والكلينكر المكشوف فوق طبقات المياه الجوفية التي تغذّي قرى الكورة، ما يعرّض مياه الشرب – بحسب قوله – لخطر التلوث المزمن، في ظل وجود المصانع ضمن أراضٍ مصنّفة 40/20 وأراضٍ سكنية وزراعية محمية. غشّ بالإسمنت… ونهب للأسعار وفي الشق المالي، يطالب عيناتي بمحاسبة إدارات الشركات بتهمة إدخال نسب من التراب الأبيض غير المعالج وأغبرة الأفران ورماد الفحم في تركيبة الإسمنت، معتبرًا أن ذلك يفرض على المستهلك شراء كميات مضاعفة للحصول على الصلابة المطلوبة. كما يدعو إلى استرداد ما وصفه بالأرباح غير المشروعة الناتجة عن بيع طن الإسمنت بنحو 100 دولار لسنوات طويلة، في حين كان سعر المستورد يقارب 40 دولارًا. ويستشهد بتسعيرة حكومة حسان دياب السابقة التي حدّدت الطن بـ240 ألف ليرة (أقل من 30 دولارًا آنذاك)، معتبرًا أن ذلك يبرهن على هامش الربح الكبير. ويحذّر من أي توجّه لرفع الأسعار مجددًا، معتبرًا أن ذلك "تشريع للفساد وضربة لأي أمل بالإصلاح". تعويضات ومحاكمات وتطالب اللجنة بإلزام أصحاب الشركات بدفع تعويضات تصل إلى نصف مليون دولار لكل عامل حالي وسابق، ولعائلات من توفّوا أو أُصيبوا بأمراض خطيرة، على خلفية العمل في بيئة صناعية عالية المخاطر، إضافة إلى محاكمة المسؤولين عن اقتلاع مساحات واسعة من أشجار الزيتون والتين واللوز والعنب، وعن تلويث الشاطئ في شكا والبيئة البحرية في سلعاتا. ويلفت عيناتي إلى أن القضاء اللبناني ينظر في ادعاءات مقدّمة من النيابتين العامتين البيئية والمالية، فضلًا عن دعاوى مرتبطة بقانون المياه الجديد، مؤكدًا أن الملف لم يعد سياسيًا بل قضائيًا بامتياز. كسر الاحتكار… أو استمرار "المجزرة" وفي ختام حديثه، يدعو عيناتي الدولة إلى كسر احتكار الإسمنت عبر فتح باب الاستيراد، على غرار ما تقوم به دول مجاورة، معتبرًا أن استمرار الواقع الحالي يعني "استمرار مجزرة صحية وبيئية موصوفة". ويختم برسالة حاسمة: "لن تمرّ مسرحية الإقفال هذه المرة. بعد كل ما حصل، مكان المرتكبين هو السجن، سنحاسب كل من يغطّي أو يبرّر استمرار هذه الكارثة". هكذا يعود ملف إسمنت الكورة إلى الواجهة، بين اتهامات ثقيلة تطال الصحة والبيئة والمال العام، ومسار قضائي يُفترض أن يرسم الفصل الأخير في واحدة من أكثر القضايا البيئية إثارة للجدل في لبنان. المصدر: ليبانون ديبايت |